بيان 2: هذا هو شاعر العامية الكبير احمد فؤاد نجم صوت الشارع المصري والعربي في النصف الثاني من القرن العشرين، هو ضمير الحارة بكل حرفييها وفلاحيها والصنايعية قهر كل شعراء الفصحى لا لشيء الا لان احدا لم يستطع ان ينافسه، في حب مصر «مصر العشة مش مصر القصر» ومنذ البدايات الاولى حدد بنفسه لنفسه المنهج والطريق في هذه القصيدة «انا الاديب» والذي توعد واستحلف فيها ان يجعل من: الشعر الاندال: مسخة وعبرة لان الشاعر الحقيقي لا يطبل. ولايرقص ولا يتلون كالحرباء في المواسم والموالد كمداخين الزفة، هذا هو نجم الشهيد الحي الباقي في وجداننا كبقاء النهر في الوادي، هو مثل غيطان الفلاحين وورشة الصنايعي وبحور الصيادين هو المغني المفتون بخضرة الجناين التي تمتلأ بالحمام وبالعامل الذي يعمر المكائن والمدائن ثم يضيع في الزحام. هو الذي يغني ويبشر بالخير رغم السجون والمعتقلات والتعذيب، ورغم الجوع والحرمان لم يبع شعره لا بالذهب ولا بالفضة!! في اللقاء الاخير بنجم وبعد ان تجاوز السبعين حاولت ان افتش في ذاكرته الشعرية لا السياسية كما يحلو للجميع من الاعلاميين المتيمين بشتائمه العلنية في السياسيين وكبار المسئولين وسواء ممن رحلوا او مازلوا جالسين فوق ظهورنا! واجمل ما في هذا الشيخ السبعيني حيويته وذاكرته اليقظة والحية رغم المحن والمآسي التي واجهته فهو لا يكف عن الكلام لكنه كلام موزون وله معنى مثل حد السيف ومغلف بالسخرية المرة لذلك فإن الحوار مع هذا الرمز البارز يجب ان يكون حوارا حميميا وطبيعيا وغير تقليدي واية «دردشة» مع نجم خصوصا في هذه المرحلة من عمره تكون بمثابة توثيق تاريخي او حوارا استثنائيا لان الرجل لم يسع قط طوال حياته لا للشهرة ولا للاعلام الذي تعمد ان يتجاهل هذه التجربة الفريدة والفذة بكل معانيها، ولم يؤرشف للكثيرمن اعماله واغنياته بصوت صديق عمره الموسيقي العبقري «الشيخ امام» ونجم مشهور بالاجابات القصيرة والمكثفة على سؤال طويل عريض، وقد سألته انا اتهمك بالتقصير المتعمد في حق المرحوم الشيخ امام!! فرد قائلا:ازاي يعني؟ قلت ربنا اعطاك طولة العمر وصرت من نجوم الفضائيات واللقاءات الصحفية كل يوم.. فلماذا لا تتحدث عن امام وتجربته وابداعاته؟ قال: مفيش حد بيسألني ومع ذلك انا خصصت الجزء الثالث من مذكراتي كله للحديث عن الشيخ امام وهو صحيح سوف يتضرر شوية لكن عشان الحقيقة والتاريخ! قلت له: ولماذا تضره؟ قال: امام انضحك عليه عشان يشتمني شتيمة وسخة جدا في فرنسا، تصور انه قال عني انه، بيعرفش واحد بالاسم ده!! قلت: وماذا كانت المشكلة بالضبط؟ قال: الرجل تعب وقال كفاية كده انا بصراحة مش قادر اكمل معاك، قلت له يا امام انت حر لكن حذار يخدعوك ويورطوك وتهاجم تجربتنا لكنه لم يسمع الكلام وعشان كده هأقول كل التفاصيل في الجزء الجاي من الفاجومي! بالاسماء وبالتواريخ عشان الحقيقة هي الاهم! وحول الزجال الكبير بيرم التونسي يؤكد نجم انه استاذه ومعلمه الاول لكنه يقول: قد اكون امتدادا له ولكن على طريقتي الخاصة ورغم انني عاصرت بيرم الا انني لم أره وهذا من حسن حظي لانه في مراحله الاخيرة كان محبطا ومكتئبا ويائسا ولو قابلته بهذا الشكل لكرهته، لاننا لايجب ان نفقد الامل مهما اظلمت الدنيا، وتجبر الطغاة او انتشر القهر! وايضا كانت هناك علاقة ملتبسة بينه والشاعر الكبير صلاح جاهين ولدي قصيدة نادرة بصوت الشيخ امام تقول: شاعر بيتخن من بوزه. ممكن تخوف به عيالك: بقي مليونير واللي يعوزه يلقاه في ايده وعقبالك نازل يأزاز أزاأوزو وخلي بالك من زوزو وخلي زوزوز من بالك!! سألت نجم: ـ لماذا هاجمت واحدا من اهم الشعراء المبدعين والمفتونين بحب العمال والفلاحين وكل الطبقات المطحونة جبرتي العصر وفيلسوف الرباعيات. ـ انا معك في كل ذلك وقد احببت صلاح جاهين بكل قوة مثلك، لكنه عندما يتحول الى بوق اعلامي خطير لعبدالناصر الذي كان رغم حبنا الاسطوري له ديكتاتورا وعندما يحاول صلاح جاهين ان يبيع ويسوق مظاهرات الطلبة في العام 1968 لصالح النظام ويشوه هذا العمل الثوري، هنا لابد ان اهاجمه حتى لو كان «ابي وبلا رحمة» ـ بعد هذه الرحلة الطويلة مع الشعر.. بماذا تشعر وانت تكتب القصيدة؟ ـ اشعر بآلام الوضع عند كتابة القصيدة وهذا ما أقوله دوما لزوجتي عندما تجدني منفعلا وقلقا وكثير الحركة وهذه الحالة منذ اول قصيدة وحتى الان. ـ نعرف انك لا تخجل من اي شيء لكنك في عدة مقابلات تلفزيونية وخصوصا التلفزيوني المصري قلت: انك لم تكن قط شيوعيا.. فهل هذا صحيح؟ ـ نعم انا عمري ما كنت شيوعيا؟ ـ وبماذا تفسر قصائدك الكثيرة والتي نعتبرها شيئا من التنظير الماركسي مثل: احنامين وهما مين.. ويعيش اهل بلدي وبينهم مفيش تعارف يخلي التحالف يعيش! وجفيارا مات، وهوشي منه وغيرها؟ ـ شوف انا يساري ممكن لكن الشيوعي راجل قاريء جيد للماركسية اللينينية ومؤمن بها ايمان امطلقا وانا لا أدعى اني قرأت مثلا رأس المال بأكمله فقط كتيبات ومنشورات لينين لذلك انا لا ارقى الى مستوى الشيوعي عارف جيفارا بيقول ايه عن الشيوعي؟ انه في الجماعة اول من يموت، واخر من يأكل! فأنا لا استطيع ان اكون هذا الشخص ويكفيني الشرف انني عرفت من الشيوعيين قامات عظيمة وسجنت معهم مثل نبيل الهلالي زهدي العدوي، زكي مراد، وغيرهم اما التلفزيون المصري فهو يقوم بحذف تلت تربع كلامي بعملية مونتاج زي بتوح المخابرات رغم انهم لا يعطوني ولا مليم فاكريني حمار وعشان كده حرمت اشتغل معاهم لان الكلام مش متناسق مع بعضه. ـ قصيدتك الشهيرة «كلب الست» عن ام كلثوم لماذا لم تنتقم منك خصوصا بعد ان تحولت الى سلطة؟ ـ كانت بالفعل على وشك الانتقام لكن النكسة انقذتني منها ومنهم جميعا! ـ لك صرخة مدوية في قصيدة «جيفارا مات» خلاص خلاص مالكوش خلاص غير بالبنادق والرصاص وحرب الشعب وغيرها مفيش، فهل مازالت في نفس الموقف في عصر العولمة والاستسلام باسم السلام. ـ مش هيحرر فلسطين الا الفلسطينيين انفسهم وبالحرب الشعبية حرب الشوارع والمدن يعني الانتفاضة دي تبقى مسلحة وهو دا دور العرب. مش القادة بكل بجاحة يقولوا الشعب الفلسطيني الاعزل، ليه يكون اعزل؟ لكنني ممكن اقول حاليا: ملكوش خلاص غير بالديمقراطية لانها الوحيدة التي توصلنا الى مانريد، الرأي والرأي الاخر، هذا ما نريده! ـ بصراحة ياعم احمد ماحكايتك مع الابنودي؟ ـ دا شاعر تراجع من اول لسعة ويوم طلع من السجن باعنا كلنا وقبض الثمن وقابل شعراوي جمعة في لقاءات صحفية واذاعية وقال مفيش اي شاعر مسجون ولا معتقل في مصر وهو عارف اني معتقل ويتم تعذيبي وانزف وغير كده علمت انه سرق قصيدتي «واه.. ياعبد الودود.. يارابض ع الحدود ومحافظ ع النظام.. كيفك ياواد صحيح.. عسى الله تكون مليح وراجب للامام، امك ع تدعي لك وع تسلم عليك ونجول بعدالسلام. خليك جدع لابوك ليجولوا منين دابوك ويمسخوا الكلام.. الى اخر القصيد،ة قبل حرب اكتوبر في البدايات ثم انتهى مرتشيا بالملايين من الكويتيين بعد غزو العراق للكويت بقصيدة: ايها الشعب العراقي.. هو زايل وانت باقي.. قدر ازاي يقنعك تشرب دمائي كلكم صدام يا صاحبي... هو زايل والكويت هو اللي باقي.. وبهذه الملايين اصبح اكبر شريك في قناة المحور التلفزيونية وبقي رجل اعمال وعنده فلل وشركات، هل هذا من الشعر مدد.. مدد!! ـ اخيرا.. ماذا تكتب الان؟ ـ مسرحية بعنوان «حبل البقرة» فكرتها حول المواطن المستسلم للديكتاتور والحاكم الظالم حتى النخاع ورغم انه اي المواطن يظل مستهدفا ومستغلا الى ان يفقد حتى ملابسه لكنه يصرخ بأعلى صوت مؤيدا جلاده: يحيا العدل.. يحيا العدل.. انني رغم انني اكملت مشروعي الشعري وراضي عنه الا انني كنت اطمح في عمل مسرح غنائي لان الدكتور علي الراعي اوصاني كثيرا بالمسرح وقال لي الدراما تاريخ لا يموت!