للوهلة الاولى تبدو ناحية شينكينج الواقعة جنوب مدينة تايبيه شرقي ضاحية موتشا، كغيرها من التجمعات السكنية الصغيرة العديدة في مقاطعة تايبيه، فلا شيء مميز او ملفت للنظر في شوارع المنطقة باستثناء طريق واحد يعود تاريخه الى ما قبل 200 عام. ومع ان الشجرتين القديمتين المنتصبتين عند نهاية شارع شينكينج تعتبران معلما بارزاً في الناحية منذ سنوات، إلا انهما ليستا استثنائيتين بشكل من الاشكال وكذلك فإن خور شينجهاي الذي يجري عبر البلدة لا يضيف الكثير الى جاذبيتها. لكن شيئاً واحداً استطاع ان ينقذ شينكينج من النسيان، وهو الشعبية المتزايدة لنوع فريد من وجبات «التوفو» ينتج حصرياً هنا. والتوفو هو نوع من المأكولات الاسيوية الشهيرة عبارة عن جبن نباتي يحضر من معالجة حليب فول الصويا بالمواد المخثرة، ولم يكن احد يتخيل ان هذه البلدة الصغيرة التي لا يتجاوز تعداد سكانها 50 الفاً والتي كانت في السابق تعتمد على اعمال المناجم وزراعة الشاي قد تصبح يوماً واجهة سياحية هامة بفضل تشكيلة وجبات التوفو الخفيفة التي تقدمها. ويقول المؤرخ المحلي لين وانج ان غالبية المقيمين في شينكيج هم احفاد المهاجرين من مقاطعة انكسي في اقليم فوجيان الصيني، وان شخصاً من عائلة تشين من هذه المنطقة كان أول من صنع مأكولات التوفو الفريدة التي تتميز بها البلدة في القرن التاسع عشر. ويشير شو بوسين مدير احد المطاعم المحلية في شينكينج الى ان عائلة تشين زادت مقادير فول الصويا وقللت مقادير «الجير» ملح الكالسيوم «وهو مادة بيضاء تستخدم لتخثير حليب الصويا» ونتجت عن هذه الوصفة فضالة تبقى في قاع اناء الطين مما يوجد فيها نكهة دخانية فريدة. ويتميز هذا النوع من التوفو بلون اكثر اصفراراً بالمقارنة مع التشكيلة الشائعة شاحبة اللون. واليوم تحتكر سلالة عائلة تشين انتاج هذا النوع الخاص من التوفو، لكن سكان شينكينج ساعدوا في ترسيخ شهرة البلدة من خلال بيع تشكيلات متنوعة من اطباق التوفو الجاهزة. واصبحت هذه التجارة مربحة جداً لدرجة ان عائلة من ناحية شيتنج المجاورة بدأت تنتج نسخة خاصة بها من هذا الطعام الشهي المترف لتستفيد من الجماهير الواسعة التي تحظى بها مأكولات التوفو. يصعب تحديد التاريخ الدقيق لظهور مأكولات التوفو لأول مرة في النظام الغذائي الصيني. لكن المقولة الاكثر شيوعاً في هذا الصدد هي اسطورة ليو آن حفيد ليو بانج أول امبراطور من سلالة هان التي حكمت البلاد من عام 206 الى عام 8 ق. م. فذات يوم مرضت والدة ليو آن ولزمت الفراش، ومع ان امه كانت مولعة بفول الصويا، إلا ان ليو اعتقد ان هذا الطعام يتسبب بسوء الهضم لذلك قام بطحن الفول الى مسحوق ثم اضاف اليه الماء والملح ليطعم والدته. وعلى نحو غير متوقع بدأ الخليط بالتجمد. اثارت هذه الظاهرة فضول ليو الذي بدأ يجرب اضافة مكونات مختلفة الى المزيج. واكتشف اخيرا ان بامكان الجير ان يحول حليب الصويا الى خثارة لبنية القوام يمكن استخدامها في تحضير اطباق لذيذة، واطلق على هذه الخثارة اسم «التوفو». وبدأت قصة اقتران اسم بلدة شينكينج بالتوفو قبل 44 عاماً عندما بدأت عائلة تدعى «وانج» في بيع مأكولات التوفو فريدة المذاق الذي تنتجه عائلة تشين. وطور أفراد عائلة وانج بعد ذلك كشكهم إلى مبنى أكبر في منتصف الثمانينيات مع ازدياد شعبية أطباقهم. وحفز ذلك المزيد من المطاعم في المنطقة للبدء في تقديم الوجبة المحلية الشهية، كما ان الطرق المنشأة حديثاً لربط البلدة بالتجمعات السكانية الأخرى ساعدت أيضاً في اغراء السياح وكذلك افتتاح حديقة حيوان تايبيه في ناحية موتشا المجاورة. واليوم تصطف المطاعم التي تقدم مختلف الأطباق المتعلقة بالتوفو على جانبي الشارع القديم الذي يبلغ طوله 230 متراً حيث يجد المرء أيضاً وجبات تايوانية تقليدية أخرى مثل كعك الأرز الدبق. ويوضح سائح يدعى لين شين مينج من مقاطعة تايبيه سبب اعجابه الكبير بالشارع القديم قائلاً: «اطباق التوفو موجودة في كل مكان في تايوان، لكن في شينكينج يجد المرء تشكيلة أوسع من الأطباق بما في ذلك التوفو المشوي والمدخن والمقلي والمطهي». ويفسر البعض الشعبية الكبيرة التي تحظى بها مأكولات التوفو في كونها رخيصة صحية لمحتواها العالي من الدهون النباتية والمتدني من الكوليسترول وعن ذلك يقول شو بوسين: «ان وجبات التوفو الخاصة بمنطقة شينكينج تعتبر جيدة وصحية بالأخص للأشخاص الذين يعانون من الحصى الصفراوية، لأنها تحتوي على مقادير أقل من الجير الغني بالكالسيوم». ومن بين الأسباب الأخرى التي ساهمت في تلميع شهرة توفو شينكينج في السنوات القليلة الماضية الجهود التي بذلتها الحكومة للترويج للثقافة المحلية، حيث نشطت وسائل الإعلام على نحو غير مسبوق في تغطية الخصائص المحلية التي تمتلكها التجمعات السكانية المختلفة في أنحاء تايوان، وسلطت الضوء على الخاصيات المميزة التي تنفرد بها كل منطقة. وتقول شين لي هوا، وهي بائعة متجولة في شارع شينكينج: «لقد تحدثت مع العديد من المراسلين الصحفيين، وحاورني حتى صحفيون من هونج كونج واليابان». بدأت شين في كباب التوفو المشوي على الشارع القديم قبل عامين. والهمت شعبية منتجها العديد من المقلدين، وتقول شين بابتسامة خجولة «ان سر نجاحي يكمن في الصلصة التي تغطي الكباب، وأنا لن أكشف عن مكوناتها ربما يحاول الآخرون تقليدها لكن صلصتي مختلفة عن صلصاتهم». الآن وقد أصبح حشود الزوار والسياح تتدفق في شوارع شينكينج في العطل الأسبوعية والاجازات لشراء التوفو يأمل المسئولون المحليون بأن الزوار سيخصصون بعض الوقت لرؤية مواقع الجذب الأخرى في البلدة مثل بيت يونج آن القديم الذي يعد الموقع التاريخي الوحيد المصنف رسمياً في المنطقة. بني البيت الذي يعود تاريخه إلى 87 عاماً من قبل عائلة هوانج التي كانت أثرى عائلة في شينكينج في عصرها ولا يزال المكان مأهولاً بأحفاد المالكين الأصليين وهو يمثل مثالاً على روعة فن العمارة في تلك الفترة. وتتجه طموحات المسئولين المحليين إلى ما هو أبعد من ذلك حيث تقول لو يو هوان عمدة ناحية شينكينج: «آمل ان يجذب مهرجان التوفو المخطط له انتباه الحكومة إلى بلدتنا، وإذا استطعنا استقطاب عدد كبير من الزوار يمكننا المطالبة بميزانية أكبر للتنمية في الحكومة المركزية». حتى أن لو تخطط الآن لانشاء متحف خاص بمأكولات التوفو التي يعود لها الفضل في بزوغ نجم بلدة صغيرة مغمورة ما كان لأحد ان يسمع بها لولا هذه الوجبة التقليدية الخفيفة. علي محمد