بيان الكتب: يتخذ رضوان السيد من تفحصه للخطاب (الاسلامي)، منذ فترة النهضة، مدخلا لفهم ازمة الفكر السياسي العربي، حيث وجد ان هذا الخطاب قد ضحّى دائما بمرجعية «الأمة» و «الجماعة» و «الجمهور» لحساب «طوبى الخلافة» قديما، ومرجعية حكم (الشريعة) حديثا. وظل المفكر العربي الحديث، على اختلاف مشاربه، متعلقا (بدولته) الطوباوية المبتغاة، على حساب التفكير بالدولة القائمة فعلا، لتطوير آلياتها، وبكيفية مشاركة الجمهور في ادارتها. الاسلامي فكر «بالدولة الاسلامية»، والقومي «بالدولة القومية»، والاشتراكي ببناء الاشتراكية، وتعامل الجميع مع الدولة القائمة: (القطرية، المتغربة، التابعة) كعثرة، وعقبة فحسب، لا تستحق التأمل. وكان الضحية المباشرة لهذا التفكير: الامة، والدولة الفعلية، وبالتالي العمل السياسي الفعال والمجدي، فيذهب السيد الى القول: ربما كان غياب «الجمهور» الطويل عن القرار السياسي، وتحول «الشورى» الى فضيلة اخلاقية، وراء غياب المسألة عن وعي النخبة العاملة». استخلص الطهطاوي من التجربة السياسية الفرنسية: الحرية، والمنافع العمومية، الا انه ركز على الجانب الثاني اي المنافع العمومية، فغدت الدولة، تبعا لهذا المفهوم «اداة» لخدمة الخير العام كما يراه الحاكم، وليس مجالا يلتقي فيه الجمهور مع السلطة لانجاز المصالح العمومية، ثم جاءت «التنظيمات العثمانية» بفكرة «المؤسسات» لتنظيم ادارة الدولة، ما لبثت ان اندمجت بفكرة الدستور، الذي حوله الاصلاحيون الى سلاح ضد الاستبداد، ولكن ظل هذا المفهوم يفتقر الى معناه (الايجابي)، ففي حين كان يمكن لدولة الصالح العام المعززة بفكرة الدستور ان تتطور الى دولة الشعب، او الجمهور، بقيت في نظر الاصلاحيين امثال الشيخ محمد عبده تعادل (دولة القانون) للحيلولة دون الاستبداد وحسب، ولتستجيب لتحدي التحديث. بمواجهة (فجيعة) الغاء الخلافة انفق الفكر الاسلامي اكثر من عقدين في محاولة استعادة الخلافة بصيغتها القديمة، او المعدلة، وكان رده عنيفا على (علي عبد الرازق) الذي اعتبرها مؤسسة وضعية، يعود تقرير امرها الى الأمة، وعلى اطروحات بعض العلمانيين الاتراك في كراسهم عن «الخلافة وسلطة الامة» التي ذهبت في اتجاه عبد الرزاق، فما كان من الاسلاميين الا ان وضعوا الشريعة (= الاسلام) في الواجهة وليس الامة. ولقد قوّى هذا الاتجاه، مواجهة العرب للمسألة الاستعمارية، وتشكل الدولة الوطنية المغرّبة، بين الحربين، اذ اعطت النخب الاسلامية والوطنية الاولوية لمكافحة الاستعمار والاستبداد، فلم تشجع هذه المجابهة على استبدال مبدأ «سيادة الأمة» بمؤسسة الخلافة ولاهوتها، بل استبدل لاهوت الخلافة تدريجيا بفكرة البنا: (القرآن دستورنا)، فأمام خشية الاسلامي، مفكر الهوية، في الثلاثينيات والاربعينيات، على الجمهور من التغريب، وعلى الاسلام من هذا الجمهور الذي اتجه الى احزاب الاستقلال (العلمانية) نأى الاسلامي عن ائتمان (الأمة) على الاسلام، وتمسك بالشريعة كملاذ له، حينها غدت «الشريعة» في وعي الاسلاميين ما يشبه ايديولوجيا النخبة، التي لم تعد تقتصر مهمتها على استعادة الاسلام الى السلطة، بل والى الجمهور ايضا، وهذا معنى الجاهلية السائدة. لم يبق بعدها سوى خطوة واحدة لنصل مع السيد قطب، والمودودي الى فكرة «الحاكمية وايديولوجيتها، التي برزت في المنتصف الثاني للقرن العشرين متوافقة مع «المرحلة التقدمية». غدت حينها (الشريعة) عند الاسلاميين اساسا للمشروعية، وقد تحولت الى ايديولوجيا نخبة بالتمام والكمال، مثلما كانت الاشتراكية ايديولوجيا الطليعة الثورية، وتمّت التضحية اكثر فأكثر بمبدأ سيادة الشعب وسلطته، طالما ان هذا الشعب لا يمثل امة المسلمين الحقة، بدليل اندفاع الجمهور وراء القوميين! وهكذا، كما يقول السيد: آذن ظهور رؤية الحاكمية بالافتراق بين الشريعة والجماعة، او بين الاسلام (بوصفه مثالا) والامة بوصفها جماعة مؤمنة. وما عادت هناك حلول وسط، فاما ان تكون الامة خاضعة لتلك الايديولوجيا فيثبت ايمانها، او لا تكون كذلك. وتتفاقم ازمة المشروعية لتصل الى حدود التشكيك في الهوية الدينية والثقافية للمجتمعات الاسلامية، مفترقين بذلك عن رؤية الشيوخ الذين رأوا ان اسلام المجتمعات المسلمة يمكن ان يزيد او ينقص ولكنه لايزول الا باختفاء كل آثاره. ولم يستهدف أصحاب (الحاكمية) من مشروعهم السياسي الوصول الى السلطة لاعادة السيادة الى الأمة التي اغتصبها الغرب، والنخب المغربة، بل أرادوا الوصول الى السلطة لاستعادة المشروعية بتطبيق الشريعة، لقد غابت التفرقة بين الشريعة والفقه عندما صارت الشريعة ايديولوجيا كما غابت الأمة بفئاتها المتعددة عندما انتزعوا الشريعة منها ليدغموها بالدولة المرتقبة، وغاب مع مقولة الامة، مفهوم سيادتها وسلطتها، والآليات التي تمكن تلك الامة من ممارسة تلك السلطة على ضوء مصالحها. وكان من الطبيعي، بعد ان تحول الدين والشريعة الى ايديولوجيا سياسية نخبوية ان يبدأ التنظير لفكرة النظام الاسلامي الشامل الذي تحدث عن بعض معالمه عبدالقادر عودة، ثم محمد المبارك ومحمد باقر الصدر، فكثرت المؤلفات التي تبرز الفروق بين الاسلام والرأسمالية والماركسية، مع تصاعد التوتر بين الاسلاميين واليساريين والقوميين، فتزايد انفصال الشريعة عن الجماعة والامة عندما غدت «الشريعة» مجرد ايديولوجيا تستجيب للصراع مع الايديولوجيا الشاملة للسلطة. ويذهب السيد الى ان هذه التطورات الايديولوجية لا تفسر وحدها السلوك الاعتراضي العنيف لبعض فئات الحزبيين الاسلاميين، بدون النظر الى الظروف والبيئات المحيطة بها، التي نشأت في قلب الحرب الباردة العربية، في سياق الحرب الباردة العالمية، ووصول الانظمة التقديمة الى طرق مسدودة، في هذه الظروف تحوّل الصراع الفكري بين الاسلاميين والقوميين الى صراع سياسي عنيف بين الانظمة القومية الاشتراكية والاسلاميين المعارضين، وترجم الاسلاميون في سياق هذا الصراع مفاهيم الانظمة الثورية، الى مفاهيم اسلامية، فالجهاد المتحول باتجاه الداخل «الجاهلي» هو نفسه الصراع الطبقي وحتمية الحل الاشتراكي هي نفسها حتمية الحل الاسلامي، والطليعة الثورية هي نفسها «الفتية الذين آمنوا بربهم». لكن السيد لا يرى ان العنف هو المآل النهائي لهذا الجدل فبموازاة ما حدث من تقدم في وعي النخبة العربية من ضرورة حضور «الامة»، الجماعة في السياسة، لتقرير مصيرها، عاد الكثير من الاسلاميين في بداية الثمانينيات يبحثون عن مخرج من مأزق العنف، والخروج عن الانفصال بين الامة والشريعة، وسادت اخيراً الفكرة القائلة بأن مرجعية الشريعة لا تتنافى مع الديمقراطية الاجرائية المعنية بتولي الناس لامورهم عن طريق الانتخاب، فعاد التواصل من جديد بين «نظام الشورى» والنظام الديمقراطي، مما يبشر بفاتحة عقد سياسي جديد للعرب يأخذ الشعب والامة والجماعة مكانتهم المركزية والمقررة فيه. يختم السيد مقاله بالامل ألا تتحول الليبرالية او الديمقراطية الى ايديولوجيا تكرر مشهد الستينيات والسبعينيات بين العقائديين اليساريين والاسلاميين، وهو مشهد يمكن ان يؤثر سلباً على مطالب التغيير، ويضع اجتماعنا المدني والسياسي بين حدي الاستبداد والفوضى. شمس الدين الكيلاني