بيان الكتب: ما الذي جعل الانظمة الاشتراكية في دول اوروبا الشرقية تسقط الواحد تلو الاخر وما الذي جعل النظام الاشتراكي الذي كان قائما في الاتحاد السوفييتي يسقط دون ادنى مقاومة تذكر؟ وما الذي جعل شعب روسيا الذي اجترح المعجزات في العشرينيات وانزل هزيمة منكرة بألمانيا النازية في الاربعينيات يتخلى عن الشيوعيين الذين وعدوه بالمن والسلوى وما الذي جعل شعوب البلدان الاشتراكية الاخرى تدير ظهرها للشيوعيين وللشيوعية ومن جهة اخرى اليست خمس وسبعون سنة كافية كي يصدر الشعب الروسي حكمه العادل على الحزب الشيوعي السوفييتي وعلى الاحزاب التي دارت في فلكه؟ وهل يكفي ان تتآمر الامبريالية والصهيونية حتى تسقط الانظمة التي سقطت وهل يكفي ايضا ان يخون القضية جورباتشوف ويلتسين وامثالهما حتى ينهار كل شيء؟! بهذه التساؤلات يبدأ الباحث نذير جزماتي في كتابه الجديد هل كانت ثورة اكتوبر ثورة اشتراكية، مشيرا الى انه اذا كان بمقدور عدد صغير من الافراد ان يقلبوا كل شيء رأسا على عقب في بلد مضى على انتصار الثورة الاشتراكية فيه خمس وسبعون سنة وبلغ عدد اعضاء الحزب فيه نحو خمسة وعشرين مليون عضو فقد كان من الاسهل كثيرا ان يتمكن عدد مماثل من قيادة الثورة المضادة في الاعوام الاولى للثورة حين لم يكن عدد اعضاء الحزب يتجاوز الـ 700 الف عضو ألا يدل ذلك على الغياب الفعلي للحزب وليس الشكلي الاحتفالي وان ما بني هو النظام الذي لم يكن بالامكان بناء غيره؟ ويرى الباحث جزماتي ان اول ما يتبادر الى الذهن في الاجابة على مثل هذه الاسئلة ان الخطأ يكمن في النظرية التي اثبتت التجربة العملية ذاتها انها غير قابلة للتطبيق وقد قيل في هذا الصدد ان المجتمعات البشرية مثلها في هذا الشأن مثل جسم الانسان الذي يلفظ العناصر الغريبة التي تدخل فيه واذا ما جرى ادخال عناصر معينة الى الجسم بفعل التقنية الحديثة، فإن هذه العناصر ضئيلة الاهمية نسبيا ومن الصعب التصور انها ستبلغ يوما مستوى الدماغ مثلا من جهة وتقبلها من جهة اخرى بعض الاجسام في الوقت الذي ترفضها فيه اجسام اخرى. حين يتبادر الى الذهن ان البشرية قد انتقلت من المشاعية البدائية الى الرق ومن ثم الى الاقطاع ومنه الى الرأسمالية بقوة نمو ترعرع جنين النظام الجديد في رحم النظام القديم وفرض النظام الجديد نفسه بقوة تفاقم التناقض ما بين القوى المنتجة دائمة التطور والتجدد مع علاقات الانتاج الثابتة السابقة التي اخذت في مرحلة معينة تقف حائلا دون تطور القوى المنتجة. وقد اقامت هذه القوى علاقات انتاج جديدة تتناسب مع مستوى التطور الذي بلغته من دون تدخل واع من احد. ويؤكد الباحث في كتابه الجديد انه ومن دون التقليل من اهمية الافكار التي طرحها الشيوعيون منذ اقدم الازمنة وقام ماركس وانجلز ولينين بتطويرها واغنائها فإن البشرية حسب ماركس تقيم ما اصبحت قادرة على اقامته وبالاستناد الى مثل هذه الافكار رأى عالم صيني في اوائل التسعينيات ان الرأسمالية المتطورة في بلدان اوروبا الغربية وشمال امريكا واليابان قد دخلت المراحل التمهيدية للاشتراكية وهي في طريقها الى الانتقال رويداً رويداً الى التشكيلة الاقتصادية ـ الاجتماعية الجديدة التي ليس من الجائز اطلاق تسمية معينة عليها حيث لا يستبعد ان تمثل هذه التسمية شكلا من اشكال الاحلام الطوباوية او حتى ان تكون متأثرة بالموروث الاسطوري والديني المتعلق بالجنان والفراديس وما الى ذلك. وفي هذا السياق دعا الاقتصادي الفرنسي المعروف «الان ليبيتز» الى احلال بوصلة تشير الى الخطوات الاولى للتحرر في محل الشيوعية والى احلال اتجاه لا يشير الى هدف محدد بشكل مسبق في محل الطوباوية بحيث يكون صورة البوصلة المقترحة هذه ممغنطة بقيم نابعة من انتفاضة المضطهدين ومن الطموحات الشعبية ومن رفض تدمير الكوكب. بوصلة تبقى مادية ونقدية في آن معاً. ويشير الباحث نذير جزماتي في كتابه الجديد الى انه اذا كان الامر لا يتعلق بجوهر النظرية التي يعتبرها البعض صحيحة من حيث الجوهر كأن يكون الاتجاه الاجمالي للحركة التاريخية الذي رسمه ماركس مازال صالحا بسبب بسيط ـ حسب لوسيان سيف، ـ يكمن في ان التناقضات الاساسية لنمط الانتاج الرأسمالي بقيت هي نفسها ولهذا فإن عددا من تصورات ماركس النظرية ظاهريا قد تأكد في الطريق من خلال الممارسة بشكل مثير للعجب ولا يحتاج الامر إلا الى بعض التعديلات في هذا الاطار او ذاك كأن تكون بعض المواضيع قد شاخت في حين ان الثورة التكنولوجية الجارية تضع على جدول الاعمال افقا شيوعيا بعهد المعلوماتية اي اضفاء الراهنية في مجالات اساسية على تحليلات ماركس. ويخلص الباحث الى القول انه اذا كان الامر لا يتعلق بجوهر النظرية فإن العلة التي ادت الى ما ادت اليه تكمن في الاشخاص الذين لم يستطيعوا ان يرتقوا الى مستوى التطبيق العملي للنظرية ويقف على رأس هؤلاء الاشخاص لينين حيث كانت فلسفته تعبيراً عن ارادوية مثالية وتحريف ثانوي للماركسية وهي تناقضت مع الماركسية وخانتها منذ البداية منذ اتخاذ القرار بقيام الثورة الاشتراكية في بلد متخلف اثر مرحلة ديمقراطية قصيرة والسعي الى تعميم نموذج هذه الثورة. وفي هذا الاطار يرى الفيلسوف الفرنسي ايفون كينيوفيري ان لينين قد ادار ظهره لكل الشروط التي حددها ماركس للاشتراكية بالارتباط مع نظرية الانتقال وهي شرط اقتصادي ويتمثل في الحكم على الاشتراكية على اساس قدرتها على تلبية الاحتياجات المادية للناس بشكل افضل من الرأسمالية ومختلف عنها كذلك الشرط التاريخي ـ الاجتماعي ويتمثل في النظر الى الانتقال كعملية طويلة بعيدا عن اية ارادوية ذاتية كذلك شرط الديمقراطية ويتمثل في ان تكون الحركة تعبيرا عن ارادة الاغلبية الساحقة ونابعة من تناقضات الحياة المادية نفسها. وعن البديل يستشهد الباحث برأي المستشرق الفرنسي روجيه جارودي الذي رأى انه لم يتحقق من الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي وفي باقي المعسكر الاشتراكي السابق إلا واحد من شروطها الاقتصادية ولم يتحقق البتة اي من شروطها على صعيد الديمقراطية الاشتراكية والتفتح الحر للابداع الثقافي، ومن ناحية اخرى فإن سيادة المال على جميع النشاطات القومية بحيث تصبح جميع القيم الانسانية قيما اقتصادية وتجارية وبالتالي خاضعة للبيع بالمزاد العلني ولا تضيف الى انسانية الانسان اي شيء ذا قيمة حقيقية. وباعتبار ان هذه الاجابات غير كافية يخلص الباحث نذير جزماتي في كتابه الجديد «هل كانت ثورة اكتوبر ثورة اشتراكية» الى التأكيد على انه من الضروري اعادة قراءة التجربة السوفييتية من جهة واعادة قراءة تجربة الاحزاب الشيوعية وخاصة في البلدان العربية وذلك في ضوء الدور الذي كان بامكانها ان تلعبه واعادة النظر في الاحكام التي صدرت بحق الاحزاب والاشخاص تاركا السؤال مفتوحاً عن المهام المنوطة بالاحزاب الشيوعية في البلدان العربية في مراحل النضال اللاحقة. وقد جاء الكتاب الجديد في مقدمة وسبعة فصول وقائمة بالمراجع المختارة. دمشق ـ «بيان الكتب»