بيان الكتب: مؤلف كتاب «فتوح الشام» هو ابو عبد الله محمد بن عمر الواقدي الذي ولد في المدينة المنورة «سنة 130 هجرية، في اواخر خلافة «مروان بن محمد» آخر خلفاء بني أمية، وقد كان من الحناطين، اي بائعي الحنطة، ففسدت تجارته، وثقل عليه الدين، لكن الخليفة الرشيد انقذه من ذلك حين زار «المدينة المنورة» ورافقه فيها الواقدي ليدله على قبور الشهداء، فأمر له بعشرة آلاف درهم، اعجاباً منه لمعارف «الواقدي» وعلمه. ثم عينه «الرشيد» قاضياً في الجانب الشرقي من بغداد، ومازال فيها حتى قدم المأمون من «خراسان» فولاّه القضاء بعسكر «المهدي» وبقي في عمله حتى وفاته سنة 207 هجرية. وقد اقبلت الدنيا على الواقدي في رحاب البرامكة في «بغداد» وكانت عطاياهم متواصلة مع عطايا «الرشيد» وابنه «المأمون» وقد اشتهر «الواقدي» بالكرم والسخاء، فقد اجمعت كل المصادر التي ترجمت له، انه كان جواداً كريماً، معروفاً بالسخاء، مما سبب له اضطراباً مادياً ظل يعاني منه طوال حياته. وعلى رغم كل الاعطيات والصلات التي اغدقها «الرشيد» ووزيره «يحيى البرمكي» على «الواقدي» فانه توفي ولم يكن يملك ما يكفن به، فأرسل «المأمون» بأكفانه. وكان الواقدي قد نشأ في «المدينة المنورة» التي كانت تزخر بالعلم والعلماء واجتهد منذ سن مبكرة في جمع المعلومات عن المغازي والسيرة النبوية، وتردد الى مجالس العلماء فسمع من شيوخها. وقد امتاز في اخباره بالدقة في تعيين الحوادث، وتطبيقه المنهج التاريخي العلمي الفني، فهو مثلاً يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الاخبار، ثم يذكر المغازي واحدة واحدة، مع تأريخ محدد للغزوة. وقد ترك «الواقدي» آثاراً كثيرة، حتى اصبحت كتبه عمدة المؤرخين من بعده، وقد تناول حوادث خاصة في الاسلام، ولم يبق لنا من هذه الكتب الا ما اقتبسه منها المؤرخون، ومن هذه الكتب التي بقيت: «كتاب المغازي ـ كتاب الردة ـ فتوح الشام». يلاحظ قاريء كتاب «فتوح الشام» الاسلوب القصصي الحماسي والاسهاب احياناً في سرد الحوادث، مما يجعل القاريء يستخلص من بين الاسطر، قصصاً عن البطولات الخارقة، واثر الايمان والعقيدة في تغيير واقع وسلوك الافراد. كما يؤكد الكتاب بطولات المرأة العربية في المعارك مع الروم، والعناية بالجرحى وبث الحماس في صفوف المقاتلين، ووقوف ابناء البلاد احياناً الى جانب العرب، بدافع قومي، لانهم من اصل واحد. ولا يخلو الكتاب بين صليل السيوف وطعن الرماح، والمعارك الطاحنة، من قصص عاطفية ترافق ذلك، كما تظهر ميزات وتعاليم الدين الاسلامي والشريعة الاسلامية على لسان الوفود. ويستخدم «الواقدي» السجع كثيراً، كما ترد في الكتاب القصائد واشعار الحماسة التي يرددها الفرسان العرب في ساحة الوغى واثناء المعارك. كما يتطرق احياناً لتحديد مناخ بعض المناطق التي تجري فيها الحروب، فيصف منطقة الدروب «شمال «سوريا» بالبرد الشديد، وكذلك في حصار مدينة «بعلبك»، كما يورد احياناً ما كانت تحويه القافلة من ارزاق ومؤن. يتألف كتاب «فتوح الشام» من جزأين، وقد ذكر فيها فتوح «الشام ـ العراق، ومصر» لكن احداث فتوح «الشام» ترد مفصلة، وكذلك فتوح «مصر» بينما نجد فتوح «العراق» مجملة، بل ان معظم اخبار العراق تهتم بانسحاب الفرس وكثرة الغنائم التي حصل عليها المسلمون. يحوي الجزء الاول من الكتاب اخبار الفتوح في بلاد الشام، بدءاً من تحضير الخليفة «ابي بكر الصديق» رضي الله عنه للجيوش وتوجيهها الى بلاد الشام، حتى فتح انطاكية، وانسحاب «هرقل» ملك الروم الى القسطنطينية. اما الجزء الثاني من كتاب «فتوح الشام» فانه يبدأ برسم صورة للجيوش العربية وهي تتقدم في الدروب «شمال سوريا» ويعود ليتكلم عن فتح اقسام من الساحل السوري «فلسطين» وبعدها يذكر الفتوح في «مصر» بقيادة «عمرو بن العاص» ومعه «خالد بن الوليد» وعدد كبير من الصحابة. وبعد ان ينهي حديثه عن فتح «مصر» يعود ليتكلم عن توجه الجيوش بأمر الخليفة «لديار بكر ـ ماردين ـ حرّان ـ رأس العين» في شمال سوريا كما يحوي الجزء الثاني اخبار فتح «العراق» وكثرة الغنائم التي اصابها المسلمون من كنوز كسرى، ليعود ثانية الى الحديث عن فتوح مصر، ولعل الهدف من وصف تلك المعارك وبخاصة معركة «اليرموك» اظهار تلك البطولات وشجاعة العرب، ومقدرتهم في التغلب على جيوش اعدائهم التي تفوقهم عدداً وعدة، ليحمل الكتاب نكهة الماضي وروح ذلك العصر الذي تنتمي اليه، والذي نحنّ الى اعادته. إعداد ـ محمد سطام الفهد