بيان الكتب: تعمل آن ماري كلارك استاذة مساعدة للعلوم السياسية في جامعة «بيو ديو». هذا الكتاب يخص منظمة العفو الدولية ودورها في تغيير مقاييس حقوق الانسان، كما جاء في عنوانه الفرعي. يعود تاريخ منظمة العفو الدولية الى عام 1961 حيث قامت مجموعة من المناضلين لدعم حقوق الانسان بتأسيسها وجعل هدفها الأساسي هو الدفاع عن هذه الحقوق في أية منطقة من مناطق العالم. إن هذا الكتاب يقدم أولا لمحة تاريخية عن هذه المنظمة التي كانت رائدة في مجال اهتمامها إذ انها جمعت بين البعد الشعبي والخبرة القانونية من أجل دفع قضية حقوق الانسان الى الأمام على المستوى الدولي، وقد استخدمت في عملها عدة وسائل من أجل تحقيق أهدافها مثل حملات الدعاية العالمية ووسائل الضغط الاخلاقي من أجل مختلف الحكومات نحو احترام الحقوق الانسانية للانسان في مختلف ممارساتها، بل وغدا لهذه المنظمة وزنها في التأثير على صياغة القوانين الدولية الخاصة بمجال اهتمامها. وسعت في الاتجاه نفسه من اجل دفع الدول والحكومات الى تقديم اجابات «رسمية» على اسئلة خاصة بخرق حقوق الانسان في بلدانها. وتستعرض مؤلفة هذا الكتاب الجهود التي بذلتها وتبذلها منظمة العفو الدولية من أجل تعزيز الاجراءات الشعبية الخاصة بحقوق الانسان والقوانين الدولية الرامية للنضال ضد التعذيب والخطف والاعتقال السياسي. هذا وتعتمد مؤلفة هذا الكتاب على كم كبير من المعلومات الأرشيفية وكذلك على المقابلات التي أجرتها مع عدد من مسئولي المنظمة والاخصائيين بعملها وتاريخها. ومن الميزات الأساسية التي تؤكد عليها في آليات عملها قدرتها الكبيرة على التقصي حول «خروقات» حقوق الانسان في مختلف مناطق العالم. تتوزع مواد هذا الكتاب بين ستة فصول تبحث في منظمة العفو الدولي وسياسات العالم ومعايير حقوق الانسان والتعذيب والخطف والاعدام بدون محاكمة، وأخيرا المنظمات غير الحكومية ومعايير حقوق الانسان في السياسات الدولية. تجدر الاشارة هنا الى ان الكتاب يحتوي في صفحاته الأخيرة على «جرد» بمقابلات أجرتها المؤلفة خلال سنوات التسعينيات في القرن الماضي (العشرين). بدأت منظمة العفو الدولية عملها بحفنة صغيرة من الأشخاص ودعا هؤلاء آخرين كي ينضموا لهم للدفاع عن معتقلين في عدد من بلدان العالم بسبب الافكار التي عبروا عنها، أي الذين أطلقت عليهم فيما بعد تسمية «سجناء الرأي» وبما يشمل تعرّض هؤلاء للتعذيب والنفي والخطف وكل أشكال الاضطهاد الاخرى. لقد بدأ عمل منظمة العفو الدولية نشاطها بمثابة «تدخل» في الشئون الداخلية للحكومات والدول الحريصة على «سيادتها». ولذلك ركزت المنظمة جهودها على ميدان القوانين الدولية الخاصة بحقوق الانسان، بحيث يكون تأثيرها «من الخارج» وعبر تحسين معايير «مقاييس» احترام حقوق الانسان. وعلى قاعدة مباديء الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي صدّقت عليه الأمم المتحدة عام 1948. وهنا تفتح المؤلفة قوسين تشير الى درجة الاستخفاف الكبيرة التي قوبلت بها المباديء الأساسية للاعلان العالمي لحقوق الانسان طيلة فترة الحرب الباردة، حيث كان التنافس هو السمة السائدة في العلاقات الدولية وحيث كانت المواقع والمواقف الايديولوجية تحدد الكثير من سلوكيات الحكومات حيال مواطنيها، ذلك ان الالتزام النظري بحقوق الانسان لم يكن يجد أية ترجمة فعلية على صعيد الواقع العملي. ولكن ومهما كانت درجة عدم احترام حقوق الانسان في المسيرة الانسانية التاريخية، فإن مؤلفة هذا الكتاب تركز في تحليلاتها على الأهمية «الاستثنائية» لتأسيس منظمة العفو الدولية عام 1961، ذلك انها أحدثت تغييرا كبيرا على صعيد السياق الدولي لاحترام حقوق الانسان، وايضا على صعيد النقاشات الخاصة بهذه الحقوق. وهكذا يتم الحديث عما قبل وعما بعد 1961 في هذا المجال. ان الترجمة الفعلية لمثل هذا التغير ظهرت عبر النتائج التي أثمرت عنها جهود منظمة العفو الدولية من أجل بناء هيكلية معيارية جديدة لحقوق الانسان ووضع آليات جديدة لاحترامها واعداد تقارير دورية يتم توجيهها للجنة حقوق الانسان في منظمة الأمم المتحدة حول واقع حقوق الانسان في مختلتف دول العالم. كما تم تعزيز حقوق الانسان عبر السعي لانجاز عدد من المعاهدات والمواثيق التي تؤكد على ذلك وتصديق أكبر عدد ممكن من الدول عليها. وبرزت المعايير الجديدة على قاعدة «مباديء اخلاقية» أسست لما أسمته المؤلفة هذا الكتاب بـ «دبلوماسية الضمير». وقد ألقى هذا الكتاب الضوء أكثر على طبيعة العمل في اطار نشاطات منظمة العفو الدولي والعاملين فيها، وفي الوقت نفسه على السياق الدولي الذي تأسست فيه مما شكل بصيغة ما دراسة تاريخية وسياسية للعلاقات الدولية منذ مطلع عقد الستينيات في القرن الماضي وأعطى للكتاب بعدا اضافيا يتماشى أكثر فأكثر مع موقع مؤلفته آن ماري كلارك الاستاذة الجامعية لمادة العلوم السياسية، وهي ترى في منظمة العفو الدولية رائدا في مجال ارساء معايير لحقوق الانسان على الصعيد الدولي، ومن خلال التقارير التي أعدت حول خروقات حقوق الانسان، ساعدت هذه المنظمة من خلال موقعها الاستثنائي على تحديد وتأكيد الحاجة لضمانات قوية من أجل احترام حقوق الانسان. وبهذا المعنى تؤكد المؤلفة على أهمية مفهوم المؤسسة نفسه كنقطة انطلاق أساسية في أي عمل يرمي الى تحقيق مردودية مستمرة. ولكن اذا كان يبدو واضحا واقع ان الدول لا ترغب تغيير سلوكياتها بسهولة فإنها بالمقابل لا تستطيع ان تتجاهل تماما القوانين والمعايير الأولية المعمول بها أو يفترض ان يكون معمولا بها، هذا لاسيما وان منظمة العفو الدولية والمنظمات غير الحكومية الاخرى تلح على ضرورة ايجاد «ضمانات» لاحترام حقوق الانسان من قبل مختلف الحكومات، أي بتعبير آخر الجمع بين القبول النظري بمباديء حقوق الانسان والتطبيق العملي لهذه المباديء. ان مؤلفة هذا الكتاب تقدم في الفصل الأول منه عرضا تاريخيا مفصلا وموثقا لتأسيس منظمة العفو الدولية ابتداء من الافتتاحية التي كتبها في شهر مايو من عام 1961 رجل القانون الانجليزي «بيتر بينيسون» في احدى الصحف الكبرى وكرسها لما أسماه بـ «السجناء المنسيين» الذين كان قد تم اعتقالهم بسبب الآراء السياسية التي يعتنقونها أو بسبب انتماءاتهم الدينية، وحتى تأسيس فروع لهذه المنظمة في عدد كبير من دول العالم، كما يتم ضمن هذا الاطار التعرف لشرح السياق الدولي الذي قامت به عدة منظمات دولية غير حكومية والتي أخذت موقعا ذا أهمية متزايدة على صعيد سياسات الدول الخاصة بمستقبل المصير الانساني، لاسيما تلك المتعلقة بشئون البيئة وضرورة مواجهة الاخطار القاتلة التي تهددها، وحيث تم تحديد بعض «المفاتيح» الأساسية في عمل هذه المنظمات في مقدمتها الاخلاص للمباديء والاستقلال وعدم الانحياز وتحقيق أكبر قدر ممكن من الفعالية. وتبقى عملية تحديد «المعايير» الخاصة باحترام حقوق الانسان في اطار المنظومة الدولية من أكثر المسائل حساسية في عمل مختلف المنظمات غير الحكومية، ذلك لأن مثل هذه المعايير تشكل القاعدة الأساسية التي توجه عمل القوى الفاعلة في هذا الميدان، إذ انها مقياس «الصح» و«الخطأ». وحول هذه المعايير تقوم عادة النزاعات بين المؤسسات المعنية والحكومات التي يشار الى عدم احترامها لحقوق الانسان. وذلك مرة اخرى على قاعدة التمييز بين حدود السيادة وحق التدخل ومدى مطابقة حق التدخل هذا للمباديء الأخلاقية المحددة في المواثيق والمعاهدات الدولية. ويلعب في هذا الاطار المجتمع المدني ومدى تأثيره على حكوماته دورا هاما في تفسير المباديء المعنية. وبكل الحالات تميل الدول الى ابداء «مقاومتها» للمعايير التي يراد فرضها وقد لا تتماشى مع مصالحها السياسية المباشرة. ولهذا تلجأ المنظمات غير الحكومية الى محاولة تحقيق الأهداف التي تسعى لها عبر سبل مختلفة وتتبعا لأولوياتها ومدى تفاعل الحكومات المعنية معها. وفي الفصول الثلاثة التي تتعرض فيها المؤلفة للجبهات التي تناضل منظمة العفو الدولية لتحسين شروط احترام حقوق الانسان فيها والخاصة بالتعذيب والخطف والاعدام دون محاكمة، يتم التأكيد على المباديء الخاصة بمنع القوانين الدولية لمثل هذه الممارسات في حالات السلم والحرب. وتقوم المؤلفة بتقديم لمحة تاريخية للجوء لمثل هذه الممارسات عبر مسيرة التطور الانساني، وكذلك تستعرض مختلف التقنيات التي يتم اللجوء لها وحيث أثبتت أجهزة بعض الحكومات براعتها الكبيرة في «التجديد» بهذا المجال. ان الأمثلة التي تقدمها المؤلفة على تطبيق مثل هذه الممارسات ضد سجناء الرأي الذين تسميهم احيانا «سجناء الضمير» كثيرة ومتعددة وهي تدرس بالتفصيل الحالة التشيلية في ظل الجنرال أوجستو بينوشيه. كتاب تاريخ نظري حول مفهوم منظمة العفو الدولية وموقعها في السياسات الدولية وهو يشكل مساهمة هامة بين الادبيات الخاصة بدور المؤسسات غير الحكومية في العلاقات الدولية، وفي المحصلة يمكن القول بأن هذا العمل يستحق ان يكون مرجعا في ميدان اهتمامه