بيان الكتب: فرناند بروديل هو مؤرخ فرنسي شهير، بل ربما انه احد اهم مؤرخي القرن العشرين على صعيد العالم كله فهو احد مؤسسي مدرسة الحوليات لكتابة التاريخ، او المدرسة الفرنسية الجديدة لكتابة التاريخ والتي كانت قد تأسست في مطلع عقد الثلاثينيات من القرن العشرين بمبادرة ثلاثة مؤرخين كبار هم مارك بلوك ولوسيان فيفر وفرناند بروديل. هذا الكتاب لفرناند بروديل «البحر المتوسط في العالم القديم» انما يصب في اهتمام بروديل الرئيسي حيث انه كان قدم كتاباً غدا مرجعا في ميدانه هو «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني» الذي تم نشره للمرة الاولى عام 1949 وعرف حتى الآن طبعته الثامنة كما تمت ترجمته الى اغلبية اللغات العالمية والمتوسطية. ويرى بروديل بان منطقة البحر الابيض المتوسط قد عرفت تكدساً تاريخيا منذ ان بدأت السفن تمخر عبابه وتنقل البشر والسلع والثقافات بين جانبيه وحيث ان الماضي والحاضر يلتقيان باستمرار فالتاريخ نفسه ليس سوى تساؤل مستمر حول الازمنة الغابرة باسم المشاكل المطروحة على الحاضر الذي يحيط بنا ويحاصرنا، ويؤكد المؤلف بأن البحر الابيض المتوسط قد كان منذ القديم عنواناً للتعددية، فهو ليس مجرد بحر وانما «سلسلة من البحار» وهو لا يمثل حضارة واحدة وانما مجموعة من الحضارات.. ومنذ حقب ما قبل التاريخ شكل عالما يتسم بـ «الوحدة في اطار التعددية». وتتمثل احدى الافكار الاساسية التي يؤكد عليها مؤلف هذا الكتاب بالقول انه كان دائما «ملتقى قديم جدا» ومنذ ألوف السنين تقاطع فيه البشر والسلع والسفن والافكار والمعتقدات، وانماط الحياة.. بل «وحتى الاشجار تقاطعت». ان المؤلف يعتمد كثيرا في تحليلاته على اطروحات المؤرخ اليوناني القديم «هيرودوت» الذي يصفه بأنه «أب التاريخ» ويؤكد هذا السياق ايضا على الدور الذي لعبه العرب في نقل الكثير من معارف الشرق الاقصى ومنتوجاته ومزروعاته الى حوض البحر الابيض المتوسط كما ان البشر الذين يعيشون على ضفاف المتوسط منذ القديم يعودون الى اصول كثيرة متنوعة مثل اشجاره وثماره اذ من الصعب جدا تحديد اولئك الذين قدموا اليه من مناطق بعيدة واستوطنوا واصبحوا بالتالي متوسطيين وحاملي الحقوق. ويعتبر فرناند بروديل بان العمر التاريخي لحضارات حوض البحر الابيض المتوسط تعود الى ما بين ستة الاف وعشرة آلاف سنة، ولكن ماضيه قد عرف تكدس عدد من الطبقات فوق بعضها البعض وهي تضاهي بقدمها حضارات الصين. لقد توفى فرناند بروديل عام 1985 وكان كتابه الاساسي «البحر المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني» قد عرف ترجمته للانجليزية عام 1973.. وقبل شهر فقط شهدت المكتبة الانجليزية هذا الكتاب : «البحر المتوسط في التاريخ القديم»