بيان الكتب: احتفلت البشرية منتصف شهر ديسمبر 2001 بالذكرى 53 للاعلان العالمي لحقوق الانسان، وتجددت من خلال هذه الذكرى التساؤلات والتداعيات والاشكاليات المقترنة بالفضاء العالمي لحقوق الانسان، وحرياته المدنية، في ظل موجات الصراعات والانتهاكات التي صادرت أبسط ما تم ارساؤه من تشريعات وقوانين ومعاهدات نافذة سواء على مستوى الدول أو مستوى الهيئات الأممية، ويأتي ذلك في ظل نزوع لتفكيك وابتسار كثير من هذه الحريات في عدد من الدول المشهود لها بالدفاع عن تلك الحريات الاساسية كما هو الحال في الولايات المتحدة في أعقاب 11 سبتمبر وما تلا ذلك من تشريعات تبيح المحاكمات السرية وعقوبات الاعدام والاعتقال بسبب الاشتباه ولفترات غير محددة.. وسط هذه الاجواء يصدر كتاب «حقوق الانسان وحرياته الاساسية» لمؤلفه د. هاني الطعيمات. يتكون من ثلاثة أبواب. يبدأ بعرض مفهوم (الحق) و(الحرية)، فالحق هو اختصاص وانفراد بموضوع الحق ومحله بحيث يكون لصاحب الحق سلطة التصرف بما اختص به ضمن الحدود المرسومة، ولا فرق بين الحق والحرية العامة ـ كما يذهب الباحث ـ فكل حرية هي حق، فحرية الرأي وحرية العقيدة وحرية الاجتماع هي حقوق لا اختصاص فيها لأحد فكل الافراد يتمتعون بها على السواء، ولذا فان للحق مفهومين: فقهي مدني وفكري سياسي. ويعرض للحقوق والحريات في الشريعة الاسلامية، حيث ان بعض حقوق الانسان وحرياته الاساسية تتعلق بمصالحه الشخصية، المادية منها والمعنوية وذلك كحرية التملك والعمل وحرية السكن وحرية الاقامة والتنقل بينما بعضها الآخر يتعلق بالصالح العام كحرية التفكير وابداء الرأي والشورى. وان هذه الحقوق والحريات تدخل تحت مقاصد الشريعة فانعدام تقرير حق الحياة على خلاف حفظ النفس وانعدام تقرير حرية التعبير والرأي على خلاف حفظ العقل وانعدام تقرير حقوق الاسرة يؤدي الى اهدار حفظ النسل، وانعدام تقرير الملكية وحق العمل يؤدي الى اهدار حفظ المال وانعدام الحق في التعليم والرعاية الصحية يؤدي الى اهدار حفظ العقل وحفظ النفس وانعدام تقرير حق التقاضي يؤدي الى اهدار حفظ الدين والنفس والمال وهكذا. ثم يعرض الباحث للتطور التاريخي لحقوق الانسان من خلال الحضارات المختلفة وعبر ثلاث مراحل: هي حقوق الانسان في الحضارات والمجتمعات القديمة وتبدأ من بدء الخليقة وحتى ظهور الاسلام في القرن السادس الميلادي وهي المرحلة الاولى من تاريخ حقوق الانسان، اما المرحلة الثانية فهي مرحلة حقوق الانسان في العصور الوسطى وتبدأ من ظهور الاسلام وحتى الربع الاخير من القرن الثامن عشر الميلادي واما المرحلة الثالثة فترتبط بحقوق الانسان في العصر الحديث وتبدأ من الربع الاخير من القرن الثامن عشر الميلادي الى وقتنا الحاضر. ففي المرحلة الأولى ولدى اليونان خاصة ظهر مفكرون اهتموا بالسياسة وحقوق الانسان ومنهم (صولون) و(بركليس) فبالنسبة للأول فانه سياسي لامع انتخبه أهل أثينا حاكما واصدر قانونا عرف باسمه الغى استرقاق المدين المعسر، ووضع نظاما للتركات اعطى بموجبه بعض الحقوق الارثية للمرأة، أما بركليس فهو واضع النظام الديمقراطي حيث دعا الى ان يحكم الشعب نفسه وان يعيش جميع المواطنين متساوين. اما في حضارة بلاد الرافدين فقد عرفت مجموعة من اولى القوانين في تاريخ البشرية التي اعطت الحقوق للانسان ومنها قانون أو شريعة حمورابي وقانون ايشنونا واحكام مدينة نفر السومرية. وكانت الحياة في الجاهلية قبل الاسلام صورة اخرى لاهدار حقوق الانسان وكرامته وتفشي نظام الاسترقاق والعبودية وامتهان كرامة المرأة. وعندما جاء الاسلام فانه أرسى دعائم الحريات الاساسية من خلال مجموعة من القيم هي: مبدأ المساواة بين الناس والغاء نظام الطبقات وانصاف المرأة ومنحها سائر مقومات الكرامة والمساواة، وأقر الاسلام مبدأ العدل والشورى في الحكم ومبدأ حرية التملك وما تبع ذلك من حرية في التعاقد والتصرف مع تقييد ذلك بما يضمن تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية بالاضافة الى ضمان التمتع بالحريات العامة. إن العالم الانساني مدين لهذه الشريعة في مجال حقوق الانسان، حيث حكمت هذه الشريعة بلادا شتى خلال حقبة طويلة من الزمن ابتداء من عهد النبوة وعصر الخلافة الراشدة وانتهاء بالخلافة العثمانية وخلال تلك الحقبة الزمنية كانت شريعة أمن وسلام لكل من عاش على أرضها واحتمى بحماها. ويعرض الباحث بعد ذلك لحقوق الانسان في العصر الحديث في باب مستقل مستعرضا مفهوم حقوق الانسان المقترن بالاستقلال الامريكي عام 1779م والاعلان الصادر بشأنه والذي يقر ان جميع الناس خلقوا متساوين وقد منحهم الله حقوقا معينة لا تنزع منهم ومن هذه الحقوق: الحق في الحياة والحرية والسعي لبلوغ السعادة. وجرى التعديل على الدستور عام 1868 حذر من منع أي مواطن من حق الانتخاب بسبب العنصر أو اللون أو حالة عبودية سابقة، غير ان المرأة كانت محرومة من ممارسة هذا الحق حتى صدر تعديل جديد على الدستور عام 1920 أصبح بموجبه حق للمرأة في الانتخاب كالرجل. وينتقل الباحث للاعلان الفرنسي لحقوق الانسان والمواطن الذي صدر عام 1791م كمقدمة للدستور الفرنسي وقد جاء الاعلان كملخص لأفكار الثورة الفرنسية وبمثابة انقلاب سياسي على النظرية التي كان نظام الحكم الفرنسي يستند اليها، فبعد ان كان ملكيا مطلقا يستمد سلطاته من نظرية الحق الالهي، اصبح ملكيا مقيدا يستند الى النظرية الديمقراطية القائلة: ان الحكم لا يجد مصدر سلطاته الا في ارادة الشعب. وتلا ذلك عام 1792م اصدار الجمعية الوطنية قرارا بتعليق سلطة (لويس السادس عشر) الذي تجاوز صلاحياته باستخدام حق الرفض (الفيتو) ضد ما تصدره الجمعية من تشريعات، واستمر التعليق الى ان ألغيت الملكية في ذلك العام واعلان قيام الحكم الجمهوري. ان للاعلان الفرنسي اهمية خاصة في تاريخ الحقوق السياسية حيث سادت مباديء هذا الاعلان الدساتير الفرنسية التالية وكثيرا من دساتير اوروبا الغربية ودول افريقيا الصادرة خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وينتقل الباحث الى محور آخر يعرض فيه لحقوق الانسان من خلال ميثاق هيئة الامم المتحدة. ويذهب الى ان ميثاق الامم المتحدة قد اعطى عناية خاصة لحقوق الانسان تجسدت في ديباجته ومواقع مختلفة من مواده ومن ذلك ما ورد من ايمان بالحقوق الاساسية للانسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والامم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية وركزت الفقرة الثانية من الميثاق على الحق في تقرير المصير الذي يشكل حقا مهما من حقوق الانسان، وبينت الفقرة الثالثة بوضوح: «وجوب تعزيز احترام حقوق الانسان والحريات الاساسية للناس جميعا، والتشجيع على ذلك بلا تمييز بسبب الجنس او اللغة او الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء وأكدت كل من المادتين على هذه الحقوق. وينتقل الباحث الى المحور الاكثر اهمية وحساسية وهو الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اقر في العاشر من شهر ديسمبر عام 1948م، حيث اشتمل الاعلان على مقدمة وثلاثين مادة اشتملت على الحرية والمساواة بين البشر منذ الولادة في الكرامة والحقوق وعرض للحريات الاساسية: كالحرية الشخصية ومنع التعذيب وحرية الفكر والرأي وحرية الملكية والحياة الخاصة، وعدم التمييز بين المواطنين بسبب العنصر او اللون او الدين او المذهب السياسي كما اقر الحق في الزواج والحق في الامومة والطفولة والحق في العمل ومستوى العيش الكافي والحق في التعليم. ومع اهمية هذا الاعلان، يرى بعض فقهاء القانون الدولي ان الاعلان لا يتمتع بقوة قانونية الزامية بالنسبة للدول الموقعة عليه، لأنه ليس معاهدة دولية لها قوة الزام ذاتية يضفيها عليها مبدأ التعاقد وليس مكملا لميثاق الامم المتحدة، حيث لم تتبع في اصداره الاجراءات اللازمة لتعديل الميثاق، وانما هو عبارة عن توصية صادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة. بينما يرى آخرون ان للاعلان نفس القيمة القانونية الالزامية التي لميثاق الامم المتحدة. ثم يعرض الباحث للعهدين الدوليين الخاصين بحقوق الانسان وهما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ثم ينتقل لدراسة الاساس الفكري لحقوق الانسان وحرياته.. حيث يعرض لمفهوم حقوق الانسان في القانون الوضعي ولحقوق الانسان وحرياته في الفكر الرأسمالي وذلك من خلال العديد من المدارس من اهمها مدرسة القانون الطبيعي التي نادت بأن القانون الطبيعي مصدره العقل الانساني ولا علاقة له بالدولة وهو المثل الاعلى للقوانين الوضعية لأنه يمثل مباديء ثابتة لا تتغير بتغير الزمان ولا تختلف باختلاف المكان. المدرسة الاخرى تتمثل في نظرية العقد الاجتماعي، ومن اشهر دعاتها (هوبنر) و(جون لوك) والفيلسوف المعروف (جان جاك روسو) الذي يرى ان الافراد قد تنازلوا نهائيا عن حقوقهم وحرياتهم لا لصاحب السلطة بل للمجتمع، اي ان السيادة تكون من حق المجموع ككل لا من حق فرد واحد، والسلطة الحاكمة خاضعة لارادة المجموع. اما مذهب الفردية كأساس للحقوق الانسانية فيذهب الى ان للأفراد حقوقا طبيعية غير مكتسبة من المجتمع، يتمتعون بها منذ عهد الفطرة الاولى باعتبارها امتيازات طبيعية لصيقة بكل فرد من الافراد تولد معه، وقد توصل العقل الى معرفتها، ويقوم باستنباط التشريعات الكفيلة بصيانتها وفق قواعد القانون الطبيعي. ثم ينتقل الباحث الى مفهوم حقوق الانسان في الانظمة الاشتراكية وبالاخص نقد الاشتراكية الماركسية وموقفها من حقوق الانسان التي ذهبت الى جعل الفرد وحقوقه وحرياته بأمرة الجماعة وتصرفها بحيث تعطيه ما تشاء من الحقوق وتمنعه مما تشاء وفقا للهدف الاقتصادي الذي تؤمن به وبذلك تحول الحق الى مجرد وظيفة اجتماعية وصار الفرد موظفا موكلا باستخدام حقه بما يحقق مصلحة الجماعة. ويستفيض الباحث بعد هذا في فصول مستقلة لعرض مفهوم الحقوق والحريات الاساسية في التشريع الاسلامي وهذه الحقوق والحريات تجتمع في الحق في الحياة والسلامة والشخصية والحق في الخصوصية وحرية التنقل والحقوق والحريات الفكرية والحقوق والحريات السياسية بالاضافة لحق العمل وحق التعليم وحقوق المرأة وقد أورد استشهادات عديدة لمرجعيات هذه الحقوق في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. ويختتم الباحث كتابه الواسع بعرض لضمانات حماية حقوق الانسان وحرياته الاساسية على المستويين الدولي والاقليمي، ويقصد بالضمانات الدولية انها الضمانات المستمدة مما تشير اليه الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الانسان ومنها اقرار نظام الشكاوى ضد الدول المنتهكة للحقوق والحريات المعترف بها وكذلك اندماج الاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان في النظم القانونية الداخلية للدول. وعلى الصعيد العربي يشير الباحث لعدم وجود نظام اقليمي عربي خاص لضمان حماية حقوق الانسان ومع فشل الجهود الرسمية الا ان الجهود غير الرسمية ومن ذلك اعلان مشروع ميثاق حقوق الانسان والشعب في الوطن العربي عام 1986 على اثر اجتماع لجان الخبراء في روما. ويشير الباحث الى ان وجود تشريعات كثيرة استثنائية من شأنها تقييد الحريات وتعريضها للخطر كالتشريعات التي تعلن في حالة الطواريء او التشريعات التي تنشأ بموجبها المحاكم الخاصة. ويختتم الباحث كتابه بفصل خاص للوكالات الدولية والمنظمات غير الحكومية المتخصصة في مجال حقوق الانسان ومنها لجنة الامم المتحدة لحقوق الانسان وأعمالها وأهدافها وآلية معالجتها لقضايا حقوق الانسان، ومن المنظمات غير الحكومية منظمة العفو الدولية التي لها ثقلها في متابعة قضايا حقوق الانسان في العديد من بلدان العالم. وتبقى تشريعات حقوق الانسان واشكالياتها بمثابة تحد للانسانية وهي تخطو في آفاق الألفية الثالثة حاملة معها احمالا ثقيلة من المآسي والكوارث التي الحقت بالحريات المدنية وحقوق الانسان افدح الاضرار في العديد من البلدان وحتى تلك التي تسمي نفسها مدافعا ازليا عن تلك الحقوق. طاهر عبد مسلم