بيان الكتب: يعمل دانييل برومبيرج استاذا للعلوم السياسية في جامعة جورج تاون. سبق له ونشر كتابا تحت عنوان: «الاثنية والتعددية الديمقراطية: دراسة نقدية». في هذا الكتاب الجديد «العودة الى الخميني» يعالج المؤلف الخلفية السياسية لـ «الصراع» من اجل الاصلاح في ايران، وهو ما يمكن ان يعني معالجة التطورات التي شهدتها السياسات الايرانية منذ عام 1979. ويرى المؤلف بأن مسألة «الاصلاح» والسياسة «الاصلاحية» انما هي كذلك بـ «التعارض» مع السياسة «المتشددة» التي يؤكد عليها الطرف «الاخر» في السلطة. كما يشكل هذا الكتاب في أحد جوانبه دراسة للمصادر الاساسية للمرتكزات الفكرية التي انتهجها آية الله الخميني والتي شكلت فيما بعد «ارثا» تحاول اطراف السلطة توظيفه في خدمة مشاريعها وتوجهاتها السياسية.. وحيث ان «المعضلة الاساسية» كما يحددها المؤلف، تكمن في ايجاد سبل «المصالحة» بين ايران والعالم.. اي بمعنى آخر التوفيق بين السياسات الداخلية والسياسة الدولية. يبدأ المؤلف كتابه بجملتين قالهما الرئيس الايراني محمد خاتمي وآية الله علي خامنئي.. وكلتيهما في عام 1997، لكنهما تحملان الكثير من «التناقض» حول مفهوم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.. أو بين العقائد والسياسة. وضمن هذا السياق يبدو ان انتخاب محمد خاتمي للمرة الثانية لم يأت بحل يعلن الانتصار «النهائي» للاصلاحيين.. وذلك لأنه لم يتم حسب رأي المؤلف، التعرض لنقاش احدى المسائل الجوهرية الخاصة بالسلطة في ايران منذ قيام الثورة عام 1979 اي مسألة «ولاية الفقيه» التي كان الامام الخميني قد أرسى أسسها في الواقع. ويرى «دانييل برومبيرج» بأن احد الامتيازات الحاسمة التي حصل عليها الاصلاحيون يتمثل في فتح النقاش بعد حوالي عقدين من قيام الثورة عام 1979 حول «الارث الايديولوجي» لفترة الامام الخميني ذاته، ولكن المؤلف يستدرك بسرعة ليقول بأن مثل هذا النقاش لا يخضع للمعايير نفسها التي يتم تطبيقها في الغرب. ومن الميزات التي يركز عليها المؤلف في شخصية الرئيس محمد خاتمي، الذي يمثل التيار الاصلاحي في السلطة القائمة، هناك الصورة التي يتمتع بها على الصعيد الخارجي، وهو انه نموذج مغاير للصورة الشائعة عن قادة «الثورة الاسلامية» في ايران حيث أنه يحافظ باستمرار على ابتسامته و«كياسته» في التعامل مع الآخرين، كما انه يتميز بالخطاب الذي يؤكد عليه باستمرار حول ضرورة احترام دولة القانون، وخاصة بعد الانتخابات الرئاسية لعام 1997، انه يتبنى خطابا ذا طابع لبرالي مغاير لذلك الذي يتفوه به المتشددون وممن يطلق عليهم المؤلف صفة «الراديكاليون الاسلاميون» والذين كانوا لسنوات طويلة منذ عام 1979 يمتلكون عمليا زمام الامور بيدهم، ان خاتمي يجمع في خطابه بين التأكيد على ضرورة احترام الحريات العامة الاساسية وضرورة مشاركة المواطنين في الحياة العامة للبلاد وبين التأكيد على الاحترام الكامل والوثيق لارث آية الله الخميني والتأكيد ايضا على «اللون المحلي» للصيغة الديمقراطية التي يدعو لها. ان المؤلف يركز في الفصول الاولى من هذا الكتاب على تحليل البنى الثقافية والاجتماعية في ايران، وذلك كمقدمة من اجل تحليل السلطة.. وهو يعتمد في هذا المجال كثيرا على المقولات التي تقدم بها عالم الاجتماع المعروف «ماكس ويبر» حول مفهوم السلطة ذاته. كما يستعرض بعض نقاط التحول الاساسية التي عرفتها ايران على مختلف الاصعدة وذلك على ضوء المعطيات الثقافية والسياسية والسيسيو اقتصادية للعولمة. ويتم التأكيد في هذا السياق الى ان التبدل الحقيقي كان على مستوى المجتمع نفسه اكثر مما كان على مستوى السلطة، وذلك لأن عددا من التحديات تركت اثرها على الشرائع الواسعة من المجتمع وليس أقلها الحرب العراقية ـ الايرانية التي استمرت حوالي ثماني سنوات. وايضا الواقع الاقتصادي الصعب الذي تعاني منه نسبة كبيرة من الطبقات الشعبية. ويبين المؤلف أيضا الآليات التي يستخدم فيها الرئيس محمد خاتمي الكثير من الطرق التي كانت سارية في فترة الامام الخميني. وفي مقدمة هذه الطرق الدعوة الى المشاركة الشعبية التي تندرج، كما يرى في «الاستخدام الثوري» للانفعالات الشعبية. كما ان خطاب الرئيس خاتمي عرف بعض الانكفاءات الكبيرة في عدة ميادين حساسة مثل حرية الصحافة التي أكد عليها كثيرا في بدايات رئاسته، وخاصة عام 1998، كي يتراجع عن ذلك في الواقع. ومنه شكل النقاش حول «ارث الامام الخميني» احد المواضيع الاساسية في هذا الكتاب، وخاصة في الفصل السادس منه ـ وحيث ان هذا الصراع استمر لسنوات طويلة، ولا يزال قائما حتى الآن؟ وهو صراع يقدمه المؤلف على انه بين «المنطق العقلاني للمصالح الاقتصادية» وبين «المنطق القائم على التجربة التي عرفتها فترة الخميني ولا يزال تلامذته يحاولون بشتى السبل الابقاء عليها». ويحلل المؤلف ضمن الاطار نفسه البعد السياسي في شخصية الامام الخميني ويرى بأنه عندما ادرك الحاجة الى تزويد الثورة التي قادها بالمؤسسات التي ترسي دعائمها اتجه نحو الاخلاقيات الروحانية ودون تأمين استقرار بناها الاقتصادية والسياسية. لكنه بالمقابل عندما «وعى أخيرا النتائج الانسانية والاجتماعية والاقتصادية المدمرة لثماني سنوات من الحرب بين ايران والعراق وبأنها أصبحت مهددة للجمهورية الاسلامية وعندما أدرك المشكلة المروعة للخلافة، باشر بالقيام باصلاحات دستورية حرمت الفقيه من السلطة الدينية العليا». وفي الوقت نفسه أعادت الاصلاحات التي تم القيام بها انظر في «توزيع السلطة» بين «الفقيه» و«المجلس» و«الرئيس». وكان هذا، كما يرى المؤلف، في صميم الصراع الذي سرعان ما قام حول طبيعة السلطة السياسية وحيث كان أحد الاحتمالات القائمة هو تقوية وتعزيز «الشرعية الديمقراطية» للرئيس. ويتعرض المؤلف في الفصل السابع من هذا الكتاب للتوجهات الايديولوجية التي شهدها المسار التطوري للسلطة في طهران خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي. ويركز المؤلف في تحليلاته بهذا الخصوص على التحالف الذي قام في بداية هذا العقد بين رئيس الجمهورية آنذاك علي أكبر هاشمي رفسنجاني وخليفة الإمام الخميني، أي أية الله علي خامنئي. وذلك تحت ظل «استراتيجية تقليدية» ركزت من جديد على ولاية الفقيه وذلك على أساس اعادة تفسير الخمينية ووراثة شرعيتها والعمل في اتجاه اضفاء الشرعية على «اصلاحات السوق». عبر تبني «المجلس» لها. ولكن دائما بالاعتماد على «ارث الخمينية» وفي أفق تعزيز «البناء الثوري». لكن هذه الفترة شهدت في الوقت نفسه مطالبة «الراديكاليين» أي من يتم التعبير عنهم اليوم بـ «المتشددين» بضرورة احترام «الحقوق الدستورية للمجلس» الذين كانوا يسيطرون عليه. وهكذا تحولت «الهجومات السياسية» الى «تصفيات سياسية» وخاصة خلال عامي 1991 و1992. كذلك شهدت تلك الفترة تساؤلات جدية حول الموقف من الثقافة الغربية ومقولاتها السياسية الأساسية التي يشير المؤلف منها خاصة الى أطروحة «مونتسكيو» حول مسألة «نص السلطات» واسئلة اخرى حول الحريات السياسية والفردية.. ولكن دائما ضمن اطار القول بالانتماء الى الفكر الخميني. ويعتبر المؤلف بأن النصف الأول من عقد التسعينيات كان يمثل «مرحلة انتقالية» للمنافسة المفتوحة لاحقا، أي منذ انتخاب الرئيس خاتمي، بين تيارين أساسيين هما «الاصلاحيين» و«المتشددين». وهذه المنافسة «المفتوحة» تمثل الموضوع الأساسي الذي يناقشه المؤلف في الفصل الثامن والأخير من الكتاب. وبكل الاحوال يرى المؤلف بأن الانتخابات الرئاسية الايرانية لعام 1997 قد شكلت منعطفا هاما نحو فتح النقاش حول التوجهات المستقبلية للسياسات الايرانية في مختلف الميادين وايضا، واساسا، حول محاولة اعادة قراءة «الارث الخميني» على ضوء المستجدات الراهنة. وهذا ما عبر عنه المؤلف بالقول: «اذا كانت ثورة الخميني حول الغضب، فان ثورة خاتمي حول السعادة».. وذلك في ظل تطلع «جيل الشباب» نحو عالم افضل. يقول المؤلف: «منذ عام 1998 واغلبية الايرانيين يرون بأن الاصلاح مطروح على جدول الاعمال». ولكن أي اصلاح؟ ان الجواب الذي يقدمه المؤلف هو الاقتراب اكثر من مواقع «الليبرالية». لكن الطريق لا يزال طويلا