بيان الكتب: اصبح امين معلوف احد أشهر الادباء «الفرنسيين»، وليس ذوي الاصول العربية فقط. ان رصيده يبلغ حتى الان سبع روايات منها «ليون الافريقي» و«حدائق النور» و«القرن الاول بعد بياتريس» و«صخرة طانيوس» و«سمرقند» و«رحلة بالداسار» هذا بالاضافة الى أول كتاب له نشره باللغة الفرنسية تحت عنوان: «الحروب الصليبية كما يراها العرب». وكان قد نال عام 1993 جائزة «الجونكور» الادبية المعروفة عن روايته «صخرة طانيوس». كما نالت روايته سمرقند عام 1988 جائزة «بيت الصحافة». وكان امين معلوف قد نشر عام 1998 دراسة من وحي الحرب الاهلية اللبنانية تحت عنوان : «الهويات القاتلة». «الحب من بعيد» هو العمل الأخير لامين معلوف.. وهو عبارة عن عمل «مسرحي» مكرس لمصاحبة «اوبرا» موسيقية ألفتها الفنلندية «كايجاسارياهو» وأخرجها «بيتر سيلر» حيث تولى «كنت ناغانو» ادارتها موسيقياً.. وقد تم تقديمها في سالزبورج للمرة الاولى في شهر اغسطس من عام 2000 ثم على مسرح «شاتليه» في باريس خلال شهر نوفمبر 2001 وستشهد نسختها الامريكية في شهر يوليو من عام 2002. ان مثل هذا العمل يبدو غريباً للوهلة الاولى من قبل مؤلف بدأ حياته صحفياً في مجلة «جين افريك» في باريس ثم «مؤرخاً» عندما كتب «الحروب الصليبية كما يراها العرب» وروائياً وباحثاً في اعماله العديدة الأخيرة. انه يبتعد في هذا العمل الجديد عن «النثر» كي يقدم نصاً «درامياً» مكتوباً بالشعر. ولكن ربما انه يكون افضل من يمكنه ان يكتب نصاً من هذا النوع يحكي قصة «حب من بعيد» بين امير من منطقة باكيتين بجنوب فرنسا... وبين امرأة «دوقة» من طرابلس في لبنان. وهذه هي الحكاية. نحن في القرن الثاني عشر، اي عندما كانت اسبانيا في ظل الحكم العربي ـ الاسلامي، حيث الامير «جوفريه روديل» قد سأم من حياة المتع التي يعيشها في منطقته «باكيتين»، جنوب فرنسا حالياً «وهو يتطلع الى حب صافٍ، نقي، رائع وبعيد لامرأة «مجردة» لا يعرفها ولكنه يريدها بأكمل صورة ممكنة. وذات يوم يصل الى قصره احد اولئك الذين كانوا قد ذهبوا الى ما وراء البحار أي الى المشرق آنذاك، بقصد زيارة الاماكن المقدّسة المسيحية. لقد روى هذا القادم للامير «جوفريه روديل» بان المرأة التي تصورها انما هي موجودة في الواقع وانه هو نفسه قد قابلها.. انها تدعى «كليمانس» وهي موجودة في مدينة «طرابلس» بلبنان. لقد عصفت مشاعر الحب الهائج في اعماق «جوفريه» فهبّ للبحث عن هذا «الحب البعيد» مدفوعاً بـ «الحب من بعيد». يحتوي هذا النص الدرامي على خمسة «فصول» تتوزع الادوار فيها على ثلاث شخصيات هي الامير «جوفريه روديل» و«كليمانس» دوقة طرابلس... والمسافر العائد من المشرق. في الفصل «المشهد» الاول يبدو الامير «جوفريه» وهو يشتكي من حياته الضائعة في متع عابرة. يقول: «لقد تعلّمت الحديث عن السعادة، لكنني لم اتعلم ان اكون سعيداً. وبالتالي ليس امامه سوى ان «يحسد» ذلك البلبل الذي حط على غصن قريب وبدأ يناجي من يحب.. اما هو «فلا تستدعي كلماته سوى كلمات اخرى ولا تستدعي أبيات شعره سوى ابيات اخرى». ان الاجوبة الوحيدة التي يتلقاها انما هي من «الجوقة» وليس من «البلبل» الذي يظل صامتاً... انه البلبل.. صوت الحب الصافي. ان رفاقه في الجوقة يخبرونه ـ اي جوفريه ـ بان المرأة التي يتغنى بها ليست موجودة. ولكن فجأة يصل مسافر كان قد قام بزيارة المشرق والاماكن المقدسة في فلسطين ثم عاد ليؤكد بان هذه المرأة موجودة. لقد رآها «قرب القلعة في طرابلس. كانت في طريقها الى الكنيسة.. وكانت الانظار كلها قد تعلّقت فيها.. لكنها هي لم تكن تنظر لأحد «جميلة دون غطرسة الجمال، نبيلة دون غطرسة النبالة، ورعة دون غطرسة الورع».. صمت «جوفريه» عند سماعه هذا ولم يتكلم سوى بالقول: «حدثني ايضاً عنها ايها الصديق... حدّثني.. حدثني عنها». في الفصل الثاني يعود المسافر الى الشرق لملاقاة «دوقة طرابلس» ويعترف لها بان اميراً في الغرب يغني باسمها ويسميها «الحب البعيد». تقول كليمانس موجهة كلامها للمسافر: «اننا نحلم كلانا بما وراء البحر.. لكن ما وراء البحر بالنسبة لك هو هنا.. اما ما وراء بحري فهو هناك». ويعود المسافر في مطلع الفصل الثالث الى «بلاي» في منطقة باكيتين ليقص على «جوفريه» بانه رآها وكيف رآها وتحدث معها. يقول: «إنها اكثر اكتمالاً بعشرين مرة مما وصفته لك.. هذا اذا لم يكن خمسين مرة.. ويجيب جوفريه في احد اقواله: منذ ان حدثتني عنها لا شيء اخر يشغل عقلي وعندما يخبره المسافر بانها تعرف «الان» بانه يتغنّى بها.. وامام احتجاج «جوفريه» يضيف المسافر: «اذا كنت تحبها فعليك ان تقول لها الحقيقة.. انني فعلت ما كان يمكنك ان تفعله لو كنت مكاني. لذلك قرر «جوفريه» ان يذهب للقائها بينما يبدو بان «كليمانس» تفضل بان تبقى العلاقة من بعيد فهي لا تريد ان تعيش بانتظار دائم وألم دائم». في الفصل الرابع يبدو «جوفريه» مستعجلاً للقاء «كليمانس» وقلقاً بالوقت نفسه من ذلك اللقاء. وكان قلقه يزداد أكثر فأكثر كلما اقترب من طرابلس. انه يناجي نفسه قبل لحظة الوصول: «من بعيد» الشمس هي ضوء السماء ولكن من قريب هي نار الجحيم. ثم: «لقد كنت آدم وكان البعد هو فردوسي الأرضي.. فلماذا كان علي ان أمشي صوب الشجرة؟... ولماذا كان علي ان امدّ يدي نحو الثمرة؟». الفصل «المشهد» الاخير يجري في حديقة القلعة بطرابلس حيث يلتقي «الحبيبان من بعيد» ويتعانقان ويقسمان يمين الوفاء والاخلاص.. لكن جوفريه يموت بين ذراعي كليمانس لتدخل هي الى دير الراهبات. ان قصة «جوفريه» و«كليمانس» تعيد اجواء «بول» و«فرجيني»، و«تريستان» و«ايزولت» وغيرهم من العشاق الابديين.. لكنها ايضاً تحكي عبر «المجاز» و«الايحاء» و«الثورية» سيناريو «الحب من بعيد» بين الغرب والشرق