بيان الكتب: من غيرهم الغربان الذين تجلبهم الجثث المتعفنة في امتنا. وما أكثرهم! وما أكثرها!. بهذه الكلمات يمكن اختصار المناخ والمضمون في الرواية الجديدة للكاتب الاردني هزاع البراري «الغربان» التي نالت مؤخرا «جائزة احمد عويدات الثقافية» اللبنانية، وتسلمها كاتبها في حفل خاص اقيم في بيروت مؤخرا، وقدرها عشرة ملايين ليرة «حوالي سبعة الاف دولار امريكي». وعلى هامش ذلك، التقى «بيان البيان» بالبراري وهو من مواليد الاردن عام 1971، حاصل على بكالوريوس في العلوم الاجتماعية، عضو في رابطة الكتاب الاردنيين، عضو الاتحاد العام للكتاب والادباء العرب، عضو فرقة «طقوس» المسرحية. وكان الحوار التالي حول روايته «الغربان»، وهو عمله الادبي الثالث بعد «الجبل الخالد» و«حواء مرة اخرى»، اضافة الى اربع مسرحيات هي: «العرض المجهول»، «حلم اخير»، «ميشع»، و«مرثية الذئب الأخيرة». وتصدر له قريبا مجموعة قصصية بعنوان «المحسوس»، في وقت يستمر فيه تصوير مسلسل تلفزيوني جديد له. وسبق أن حاز جائزة افضل تأليف مسرحي لعام 2001 في الاردن. ـ «الغربان» عنوان يوحي بالكآبة، ويذكر بالموت، لماذا اخترت هذا الاسم عنوانا لكتابك؟ فيجيب البراري عن هذا السؤال بقوله: ـ «انا لا اقدم عنوانا تجاريا ولا سياحيا، انا امام نصب ادبي انساني يرشح بالخراب والموت الذي يتخبط بالشخصيات، فكيف اضع عنوانا لواقع مغرق بالبؤس والالم؟ وماذا تجلب الجثث المتعفنة غير الغربان. فهي غرائب ادمية تتجمع بفعل الفشل المتلاحق والهزائم القابعة فوق صدورنا منذ عقود عديدة. وهذا ما أراد العنوان البوح به، وبقسوة. ـ من يقرأ كتابك يلاحظ ان هناك تشاؤما وحزنا وغموضا في كتاباتك؟ لماذا؟ وما هو السر وراء هذا الاسلوب؟ ـ الكتابة ليست واقعا، ولكنها عكس الواقع وعندما تنبز التعاسة والاحزان من بين تفاصيل حياتنا اليومية، ونعايش لحظات موت احلامنا الكبيرة والصغيرة ولا نملك مقدرة في مسحها من ذاكرتنا وتبقى هذه الميتات الكثيرة تنخر في افكارنا حيال الحياة، والفرح والموت والالم. الحزن ليس اسلوب كتابة لكنه صدق مع الذات، ووعي فني بمدى استشراء الخراب النفسي والاجتماعي وسط حالات من سحب الابعاد الانسانية من اقاصي اعماقنا.. اننا مستباحون لدرجة العري البشعة، والتشاؤم لا يتفق مع الكتابة، وليس لدينا متسع للتشاؤم أو عكسه.. اننا فقط صامدون وأحيانا دون غاية واضحة. وانا كتاباتي تنتمي الى الصمود الاخرق». ـ كيف تم ترشيح كتابك لنيل الجائزة؟ وكيف تلقيت خبر فوزك بجائزة أحمد عويدات؟ ـ تم ترشيح عملي الروائي «الغربان» للمشاركة بهذه الجائزة عن طريق رابطة الكتاب وعن طريق تعميم على الاعضاء جميعا، اما عن تلقي الخبر بالفوز فلقد كان على مراحل، فاول من اخبرني هو محمود الريماوي الكاتب والمحلل السياسي الذي قرأ الخبر عبر الانترنت في جريدة «السفير» وبعد ذلك عن طريق اتصال من قبل السفارة الاردنية في بيروت، ومن ثم هاتفني احمد عويدات شخصيا قبل ان يصلني الكتاب الرسمي بالبريد. ـ ما هي الصفات التي يتمتع بها كتابك كي يستحق هذه الجائزة؟ ـ فيما يتعلق بالصفات التي يتمتع بها كتابي، اعتقد ان هذه واضحة وهي على العموم من اختصاص النقاد، وانا لا استطيع التحدث بهذا الجانب. ـ للوهلة الاولى يوحي كتابك انك تتحدث عن قصة انسانية وعن مجتمع مليئ بالفساد والعربدة، بينما في الحقيقة اردت ان تتحدث عن التاريخ عن فلسطين والصراع العربي اليهودي وعن خيبات الامل والسرقة والتخاذل العربي للقضية الفلسطينية ومن ثم الاستشهاد والموت؟ لماذا اخترت هذا الاسلوب للتحدث عن الوضع السائد في المنطقة؟ وهل لاقى كتابك انتقادا من الشارع العربي؟ ـ عندما نكتب عملا روائيا، معنى ذلك اننا بصدد انجاز مشروع فني السيادة فيه للحرفة الفنية، فأنا لا اتناول التاريخ من خلال المعلومة التاريخية الجافة او الموقف الحماسي، غير انني انشئ بناء روائيا يتصف بالانسانية بعيدا عن الاكاديمية، دون ان تتناقض معها، انما اكتب عن تأثيرات ونتائج الاحداث التاريخية، فلا يمكن تناول الصراع العربي الاسرائيلي على شكل فيلم وثائقي او تسجيلي لأن هذا يتنافى مع البعد الجمالي فيجب الابتعاد عن الناحية الارشادية لأنها ليست وظيفة الادب. لذلك لا يمكن فصل الانهيار السياسي والعسكري عن التفسخ الاجتماعي والقيمي، فأحدهما يؤدي الى الآخر وكلاهما يؤديان الى الهاوية. فأنا احفر في المجتمع المليء بالفساد والانحرافات لأصل الى الجانب الاخر، اي الى الوجه الثاني للعملة، وهذا ما تحاول رواية الغربان تحقيقه من اجل تشكيل فهم اعمق في حالة التردي التي نحن عليها سياسيا وانسانيا، ان الخراب الفردي الذي لازم الشخصيات هو نتاج الضياع الكلي. اعتقد ان كتابي لقي تجاهلا محليا بسبب بعض الاراء السياسية والاجتماعية التي اشار اليها العمل، فهو تجاهل نقدي فقط بمعنى ان الكتاب حظي بالتغطية الاعلامية المناسبة. اما اعلاميا فكان الواقع افضل فلقد نشر الناقد العراقي المعروف محمد الجزائري دراسة طويلة من خلال ربط «الغربان» بملحمة «جلجامش» وكانت دراسة مثيرة للجدل. ـ هل اسلوب الغموض صفة تتبعها في كتاباتك؟ ولماذا؟ ـ لا أتقصد الغموض لأنني أكتب من منطقة شديدة الوضوح في داخلي وهي منبع الألم الذي لا شيء أوضح منه، ولكن يبدو ان ذات المنطقة عند الآخرين لا تكون بذات الحضور القوي فيشعرون بغموض النص، فـ «الغربان» عمل ليس متلبسا بالغموض بشكل يستعصي على الفهم، لكنه مبني في اطار رؤية فنية حديثة خارجة عن الكلاسيكية المعهودة، لذلك يتطلب بعض التروي عند القراءة، واعتقد ان الكتابة من رؤية كونية راسخة هي مبعث الغموض القابل للفهم، وأرى ان عملي القادم بحاجة الى وعي كوني وأبعاد ميثولوجية تساعد حتما في الدخول الى النص وسبر الأعماق. ـ ما هي الفكرة أو الرسالة التي أردت ان توصلها للقاريء العربي من خلال كتابك هذا؟ ـ الفكرة أو الرسالة يصعب عليّ تحديدها. العمل كله فن وانكسار وموت مستمر.. ربما أردت ان أقول أنتم هكذا وأنا أحدكم ولكني ثائر عليكم بحزني. ـ في مقدمة الكتاب كلمة للشاعر اللبناني ايليا أبوماضي.. لماذا استعنت بهذه المقدمة وهذا الكاتب دون غيره؟ ـ لماذا استعنت بمقطوعة لايليا أبوماضي؟ لست أدري!! ـ كيف ترى مستقبل الكتابة والكتب العربية؟ وهل يمكننا القول ان عدد القراء العرب لا يتجاوز 5% في ظل الانترنت والعولمة؟ ـ المستقبل يخيفني دائما، فهو بالنسبة لي مجهول الاقامة ومجهول الهوية ولأن الكتابة مولعة بالمجهول، فستبقى مستمرة وفاعلة، ولكن قد تغير شكلي، تقديم الرواية من خلال التلفزيون أو السينما لأن طغيان التقنيات المرئية صار مربكا ومرعبا، وعلينا ككتاب استيعاب هذه المستجدات، لا الصد عنها. والكتاب العرب يعيشون في جزر معزولة بسبب ضعف دور النظر وتراجع التوزيع واضمحلال القاريء الواعي. نعم لسنا بحالة جيدة ولا أظن اننا سنكون أفضل حالا في المستقبل، قدرنا ان نعاني بصمت حتى ننتهي. لماذا استعداء المرأة؟ ـ لماذا لاقى كتابك الثاني تهجما من المرأة العربية؟ ـ كتابي الثاني «حواء مرة اخرى» أحبته المرأة لكنها لم تستطع التعاطف معه واتهمتني بكره المرأة العربية، ومرد ذلك انه في الرواية قدمت نموذجا سيئا من النساء أولئك اللواتي تسببن في تدمير الرجل لأن البعد الفكري والفني تطلب البراعة في وصف هذا النمط من النساء القاسيات، غير ان «حواء مرة اخرى» قدمت نموذجا معاكسا عن المرأة الصادقة والحنونة التي تستطيع ترميم الرجل المنهار تماما وتستطيع ان تصنع منه انسانا ناجحا. ـ ماذا استفدت من هذه الجائزة وماذا أضفت على حياتك؟ ـ الجائزة لم تكن ذات يوم هدفي ولن تكون، لأن جائزتي الحقيقية أن أجد قارئا يتكلم عن عملي بحب وحماس وأشعر بنشوة إذا دفعه النص للبكاء، أكون قد نجحت في تفجير شيء مخبأ في داخله، ولكن هذا لا يعني ان الجوائز الأدبية غير مهمة، فهي ترفع من الروح المعنوية للكاتب وترفع في اتجاه الاهتمام بالكتاب والكاتب بصورة أكثر جدية وهذا ما يحدث بعد الفوز بالجائزة. ـ كيف ترى الحركة الروائية الأدبية في الأردن؟ ـ الحركة الروائية في الأردن بدأت مع الكاتب تيسير السيول عام 1968، وفاز بجائزة مجلة النهار اللبنانية، رغم انه كان هناك بدايات متواضعة بين فترات من التاريخ، الرواية في الأردن حديثة وشهدت زخما في أواسط السبعينيات والثمانينيات، أهم الروائيين في الأردن هم: مؤنس الرزاز، جمال ناجي، سميحة خريس، ابراهيم نصر الله. أما من جيل الشباب في الأردن فقد انبثقت عدة أسماء على الساحة كان لها حضورها المميز وشكل مختلف من حيث الموضوع والبناء الفني ومن هؤلاء: رمضان الرواسلي، عبدالسلام صالح، فيروز التميمي. ـ ما هو الدور الذي تلعبه وزارة الثقافة الاردنية؟ ـ كان هناك جدل كبير في الاردن خلال الفترة الماضية حول جدوى وجود وزارة الثقافة في الاردن ضمن الميزانية المتواضعة، حيث يذهب معظمها رواتب للموظفين. وكان لدى الدولة رغبة في التجديد وادخال المثقف الى منطقة صنع القرار، وتم أخيرا الغاء وزارة الثقافة والاستعانة بمجلس أعلى للثقافة تديره مجموعة من الروابط والاتحادات الثقافية برئاسة مفوض الدولة كما تم الغاء وزارة الإعلام ايضا في الاردن، شكل بدلا عنه مجلس أعلى للإعلام. ـ ختاما.. ماذا تقول للقاريء؟ ـ أقول له أنت تشبهني كثيرا، لا تحاول ان تتشبه بغيري.. لأنني أشبهك أكثر! بيروت ـ شاكر وهبي