بيان الكتب: حظي العصر العثماني في السنوات الاخيرة بحملة من الدراسات والأبحاث التي تناولت تاريخ وآثار هذا العصر في مصر، ويقول الدكتور أحمد الصاوي، مؤلف كتاب النقود المتداولة في مصر العثمانية ان رغم تعدد هذه الدراسات وتنوعها، الا أن النقود التي تم تداولها في هذه الحقبة، لم تفرد لها دراسة مستقلة، ويضيف المؤلف: ان دراسة النقود المتداولة في مصر العثمانية تكتسب أهمية خاصة لاتصالها الوثيق بالتاريخ الاقتصادي للبلاد ابان الحكم العثماني، وطبيعة العلاقات التجارية بين مصر وغيرها من بلدان الشرق والغرب، مثلما يرسم ملامح التاريخ الاجتماعي ومستويات المعيشة والاسعار خلال هذه الفترة. يأتي المؤلف بما يفيد كما لو أن الغزو العثماني لمصر بدأ وكأنه نتيجة لخلاف فقهي نشب بين الدولة العثمانية ودولة المماليك حول محتوى النقوش التي كانت تضرب بها نقود المماليك في مصر والشام.. ففي سياق محاولة سليم الأول لاكساب حربه ضد دولة اسلامية مجاورة صفة المشروعية، أجلس المفتي علي الجمالي بين يديه يستفتيه في الحرب ضد المماليك، طارحا عليه اسئلة ثلاثة كان آخرها: مارأيك في أمة المماليك تنقش على دنانير ودراهم آيات من القرآن الكريم، يستخدمها النصارى واليهود والملاحدة من أهل الاهواء والنحل فيدنسونها أفظع الخطايا بحملهم اياها وهم في بيت الخلاء، ولم تكن اجابة المفتي بأقل غرابة من السؤال، اذ أباح الرجل ابادة هذه الأمة ان لم تقلع عن ارتكاب ذلك الفعل الشائن. وفي سياق تتبعه لموضع النقود وأهميتها في الصراع بين المماليك والعثمانيين.. يقول المؤلف، انه بعد انتصار سليم الأول على جيوش الغوري في مرج دابق، وتوجهه الى مصر مصمم العزيمة على قتال المماليك وجلائهم، نجد السكة موضوعا للتفاوض بين السلطان المنتصر، وطومان باي سلطان المماليك الجديد، اذ أرسل الأول محذرا آخر سلاطين دولة المماليك، ان أردت ان تنجو من سطوة بأسنا ضرب السكة في مصر باسمنا وكذلك الخطبة، وتكون نائبنا في مصر، ولك من غزة الى مصر ولنا من الشام الى الفرات.. ويضيف المؤلف: انه بعد نجاح سليم الأول في القاء القبض على غريمه طومان باي، خاطبه، مؤنبا، أولا أني ارسلت لك من الشام أن تجعل السكة والخطية باسمي، وأنت مقيم على ملك مصر.. والله ما كان قصدي أذيتك، ونويت الرجوع من حلب، ولو أطعتني من الأول، وجعلت السكة والخطبة باسمي ماجئت لك ولا دست أرضك . كان من نتائج الغزو العثماني أن تحولت مصر من دولة كبرى الى ولاية عثمانية، ومنذ عام 923 هجرية، أصبحت النقود التي تضرب في الضربخانة بالقلعة، محددة بأوامر السك التي تصدر من الاستانة، كلما تولى عرش السلطنة سلطان جديد، فتسك باسمه النقود بطراز تحدده قوالب السك المرسلة مع خط شريف يشتمل عادة على أوامر بالخطبة والسك ويعني اعلان السرور باطلاق الصواريخ، وأضحى هذا التغيير السياسي من أهم العوامل التي تؤثر من النقود المتداولة بمصر العثمانية، اذا كانت السلطات العثمانية تقوم أحيانا بسحب بعض العملات من التداول وتنزل بغيرها الى السوق، وتقرر لها قيمة جديدة لا تتناسب مع قيمتهاالحقيقية، وفضلا عن هذا فإن ارتباط العملة المصرية بنظيرتها العثمانية يجعل الأولى تتأثر بالتقلبات التي تتعرض لها الثانية. ويقول المؤلف ان دخول مصر تحت سيطرة العثمانيين حولها الى ولاية تابعة للسلطة العثمانية، الأمر الذي يعني على صعيد التداول النقدي، ان السكة المضروبة باسم السلطان العثماني في انحاء الولايات الخاضعة لحكمه كانت قابلة، من الناحية النظرية على الأقل للتداول في مصر، مثلها في ذلك مثل سائر أجزاء الدولة العثمانية. القاهرة ـ «بيان الكتب»: