بيان الكتب: هل الرواية فن ما قد انقضى؟! فإذا ذهبت الى تاريخ موغل في القدم، كما فعل بها جورجي زيدان، سماها النقاد «رواية تأريخية» باثبات همزتها فوق الألف الممدودة للتاريخ، ويفرق النقاد بينها وبين الرواية التاريخية من غير همزة، سوى انها تصل سؤال الراهن بسؤال الماضي على هيئة استفهام عن المستقبل. كأنما الروائي العربي ملتاثاً بالتاريخ ـ القريب والبعيد ـ يتقمص هيئة الرائي وسمات الباحث وملامح المفكر في آن معا، حتى ليخيل اليّ انه يضمر سياسيا مقلوبا على رأسه يعيد انتاج ما قد حدث بالتعارض مع سياسي على قدميه كان قد انجز ما حدث! بل ان بعض الروايات العربية ـ السورية خصوصا ـ تشبه مخطط ابحاث، أو انها بيانات سياسية في قالب روائي تكتنفه خيبة من التاريخ ممزوجة بانكسار الاحلام، في موضوعات تتكرر «صراع الطبقات، صراع الاحزاب والعسكر على السلطة، صراع مع القوى الخارجية» ونماذج تتماثل أبرزها «البرجوازي الصغير»، ومقولات يعاد انتاجها، كما يعاد انتاج اسئلة عصر النهضة العربي، بعد قرن ونيف من بواكيرها الأولى. قليلة هي الروايات التي تراود راهنها، أما كثرتها الكاثرة فترتدي معاطف التاريخ. بتوالي رواياته «موزاييك دمشق 39، تياترو 1949، صورة الروائي، الولد الجاهل» يزداد فواز حداد في روايته «الضغينة والهوى» مهارة تقنية، من غير ان يتخلى عن ولعه بالتاريخ، وبدمشق بؤرة للمكان الروائي بكل سماتها، خصوصا كعاصمة للقرار السياسي تتنازعه الأحزاب والانقلابات، وتتربص به الاحلاف والقوى الخارجية. يمتح فواز حداد من تاريخ سوريا ـ بدءا بأربعينياتها ـ كما من تاريخ الصراع حول سوريا من قرن مضى وانقضى! لينتقل من السرد بلغة السارد الغائب الى صوت السارد نفسه، أو يتماهى صوتان في صوت واحد كما في «صورة الروائي الصادرة 1998» حيث الصوت الأول صوت البطل، والثاني صوت الروائي نفسه.. بل وصورته، لتقوم روايته السادسة «الضغينة والهوى» على تعدد أصوات باسمائها: «دولمونت.. دبلوماسي فرنسي في لبنان، أوستن.. من جهاز المخابرات الامريكية، ساندرز.. ممثل شركة نفط امريكية». وكل منهم يروي الحدث على طريقته، والحدث اكتشاف بعثة أثرية لدلائل عن وجود النفط في سوريا، وهو فصل آخر من فصول الصراع على سوريا في فترة قلقة أعقبت نكبة 1948 وصولا الى ملامح أول انقلاب عسكري في سوريا كمحصلة لصراع النفوذ الاجنبي الفرنسي ـ الامريكي عليها، كما يعلنه النص الروائي بالتسمية، فيما يضمر النص اسم رئيس الجهورية ورئيس الوزراء وقائد الجيش ورئيس الاركان، حتى لتكاد الوقائع تلتبس على غير العارف بأحداث تلك الفترة. ثمة احداث ووقائع مثيرة في الرواية، لها طابع مشوق وبوليسي. اغتيال ميشيل جوبلان رئيس البعثة الاثرية الذي اكتشف دلائل عن وجود النفط السوري، وهو اغتيال غامض سُمي انتحارا، بينما اختفت مستنداته التي بات الجميع يريدها: الفرنسيون.. الامريكيون.. الانجليز، وبالطبع السوريون، لكنها بيد استاذ دمشق يعشق التاريخ والآثار اسمه «طرواح» سرّب الخبر لأحزاب المعارضة وللصحف متواريا عن الانظار يلاحقه الجميع من أجل وثائق جوبلان، خصوصا الفرنسي جان كرو، وضابط في المخابرات السورية، لا اسم له، يدخل كراو للأحداث ويتنازع مع الفرنسي كرو حبّ السيدة سعاد، الشخصية النسائية الرئيسية والوحيدة في الرواية التي تدخل في بؤرة صراع الرجال والدول، متحدرة من أسرة دمشقية غنية وعريقة، وقد اختارت ان تكون صورة مبكرة للمرأة الحديثة المثقفة في وسط اجتماعي لا يزال محافظا آنذاك، حيث افتتحت في بيتها صالونا أدبيا وأسست منتدى ثقافيا حاضر فيه ميشيل جوبلان، وهو ما جعلها في بؤرة الاحداث يتصارع على قلبها الرجال ومن ورائهم دولهم، حتى لتغدو تلك السيدة صورة لدمشق في اربعينيات القرن العشرين، وهو ما يعزز دلالته الصوت الداخلي لضابط المخابرات السورية، الذي يهواها، مستفيضا في مجازات حبه لها، بالحرف الطباعي النافر وصولا الى آخر سطر في الرواية: «إذا كان حبي لك قد ضاع صوابه، فلم يخطيء طريقه، وكان تعبيره عن نفسه كاملا وكليا، إذ لم أساوم عليك». وذاك كله.. بعد العثور على جثة «طرواح» في مدفن أثري، وفي ظروف موت غامض، ثم اغتيال «جان كرو» الفرنسي على مرأى من سعاد بينما هما في شاطيء بيروت، أما أوراق جوبلان عن دلائل النفط السوري التي تصارع الجميع على الوصول اليها فتظل مضمرة حتى تطويها السنوات، ولو الى حين. تنتقل الاحداث والشخصيات ما بين دمشق وبيروت، ثم بينهما وبين القدس بحثا عن مبشر بروتستانتي «بيردي» يتم التأكيد سرا ودلالة على العثور عليه، الى ان تكشف الرواية مكانه في لحظة مؤثرة يحاوره فيها الخوري العربي بطرس البحصاوي بين متاريس التقسيم في القدس أو ما يسمى بخط الهدنة بعد نكبة .1948. يقول القس بيردي: «مستعيدا الصيحة الرهيبة للحروب الصليبية: الرب يريدها». وكأن تاريخ الصراع على المدينة المقدسة يستعيد ألف عام من الزمان ولو تغيّرت الايدي والوجوه والأسلحة، فيما يتصدى الخوري العربي بطرس البحصاوي لتلك الصيحة: «الله لا يغدر بأبنائه». لينفتح السرد عن حوار حار وعميق بين مسيحية لاتزال في مهدها الأول راسخة، وبين مسيحية قادمة من الغرب تبشر على لسان المسيح بالتوراة، يقول بيردي: «ومع هذا أنتم على ضلال». ويرد الخوري بحصاوي: «لا تتخذ عقيدتك حكما على عقيدتي، صوابك وخطأك ليس حكما على صوابي وخطئي، وفي الإيمان ليس لمخلوق سلطان على وجدان غيره، أنا أتبع هدى قلبي». ولسوف تظل المواجهة مفتوحة، حتى بعد ان تباهى أعضاء عصابتي «اتسل ـ ليحي» الصهيونيتين بقتل كل من كان في دير ياسين، وأرهابيو «شتيرن ـ الارغون» الصهيونيتين باعدام الذين استسلموا، واستعراض الأسرى قبل ازهاقهم أمام جماهير اليهود على الأرصفة والشرفات، يضجون بهستيريا البغضاء، والرجال يتبارون، يعرضون جنيهاتهم على المقاتلين: «خذ عشرة جنيهات ودعني أقتل واحدا منهم». يصرخ كارل بيردي: «أنا كارل بيردي، أنا يهوذا الخائن الملعون». ثم سيأخذه الخوري العربي بطرس البحصاوي الى كنيسة القديسة هيلانة في سيناء، ليعتكف، ويتأمل في جوهر المسيح. هكذا يوسع فواز حداد بؤرة الصراع في نصه، من صراع على النفوذ «بسبب النفط وغيره» الى صراع على الوجود ذاته شعبا وهوية وحضارة. ولأجل ذلك، يستخدم فواز حداد كل تقنيات السرد الروائي المتعارف عليها، والتي بين يديه، وآليات بنائها: قطعا للحدث واتصالا، تقاطعا وتدويرا، بكل الأساليب وصفا وحوارا وتعدد أصوات، وصوتا داخليا بحروف الطباعة النافرة، بمنطوق الشخصيات وتضمينا من نصوص اخرى، حتى يبلغ بفسيفساء نصه الى منتهاها في 362 صفحة من القطع المتوسط تجذب القاريء اليها وترهقه في آن معا. أما انغماس فواز حداد المتوالي في تاريخ سوريا الحديث فسيجعله يضيف رواية في سجل الرواية العربية عن الأنا والآخر، الغرب والشرق، بأقل ما يمكن من الأوهام، وبأبعد ما يمكن عن البلاغة اللغوية والعاطفية، وبلغة روائية تستدعي حداثتها من تراكم التجربة ومن جهد متواصل كرس فواز حداد صوتا متميزا في المشهد الروائي السوري، وشابا الى جانب أصوات كفيصل خرتش وممدوح عزام وخالد خليفة وعلي عبدالله سعيد، بعد تصلب شرايين روائيي الستينيات والسبعينيات ووقوعهم في النمطية. أما القاسم المشترك بين كل هؤلاء شيباً وشباباً فهو سؤال الحاضر في سؤال التاريخ، نكاية ـ ربما ـ بتنبؤات «فوكوياما» عن نهايته! نجم الدين سمان