بيان الكتب: مسرح الصور هو أحد الاتجاهات المسرحية التجريبية الحديثة في العالم. في المسرح العادي هناك أهمية كبيرة للتعبير اللغوي كوسيلة رئيسية للسرد والحوار، أما في مسرح الصور فإن الفنان يؤكد على البعد الكيفي من فنون تشكيلية كالرسم والنحت كوسيلة بالغة الأهمية في السرد، وبما ان هذه الفنون لا زمانية فإن مسرح الصور لا زماني، في حين يسود في هذا المسرح البعد المكاني والتجربة الحسية، وبالتالي فإن مسرح الصور هو مسرح تجريدي، غير انه يؤنسن الاشياء، وهو مسرح ساكن غير متحرك يعتمد على مشاهد يمارس الاستغراق الذهني في فهم وربط الافكار والرموز. وكان من الطبيعي ان تكون امريكا وهي المجتمع التقني والذي تسود فيه المؤثرات البصرية والسمعية وهي المنتج لهذا النوع من المسرح الذي خلقه ميل جيل مبدع شب على السينما والتلفاز. يتألف الكتاب وهو في 254 صفحة من ثلاث مقدمات، اثنتان لـ «بوني مارينكا» واحداهما عن مسرح الهستيريا الانطولوجي وثالثة لـ «ريتشارد فورمان»، وثلاث مسرحيات مع تعريف بها هي تملق الجماهير لـ «فورمان» والحصان الاحمر بالرسوم المتحركة لـ «لي بروير» وخطاب الى الملكة فكتوريا لـ «روبرت ويلسون». يقول مارينكا: «ان النصوص المنشورة في هذا الكتاب باستثناء مسرحية الحصان الاحمر بالرسوم المتحركة لا يكتمل للمرء فهمها الا اذا شوهدت معروضة». مسرحية تملق الجماهير لا تغنيك قراءتها بشيء، فالديالوج ليس عاديا كما هو مألوف في النص المسرحي، والعبارات تبدو مبتورة مفككة غير موصولة، أو ملفات ناقصة، والبناء اللغوي يبدو غير منطقي، فالمرء يفقد مقومات التجرية الحسية المسرحية ولا يحصل على متعة التبادل الفكري ان اعتمد على قراءة النص فحسب، حتى الشخصيات تبدو مجرد صور. غير ان فورمان كاتب مسرحي فيلسوف، وهو يعمل على مسرح الهستيريا الانطولوجي من القاعدة الفلسفية، النفسية والجمالية، ومسرحياته مشحونة بالدلالة، لكن هذه الدلالة لا تظهر، وارتباط الاشياء المقطعة لا يتم الا بالمشاهدة على خشبة المسرح. المسرح الهستيري الانطولوجي يمسرح عمليات التفكير في مجموعة من الصور عالية التعقيد، وفورمان يرى ان اللغة المنطوقة لغة مسطحة مقولبة وليست وسيلة للحوار، لهذا فهو يحيل التصويت الى شريط مسجل، أما الممثلون فهم مجرد متحدثين لايصال الافكار، أما الاعتماد الرئيسي في التوصيل فيقع على الحوار المرئي الذي تنهض به الصور. وخلال العرض تصرف الممثلون بصورة تكعيبية فهم يمثلون الأوجه المتعددة لمؤلف العرض، ويعبرون عن مستويات وعيهم. ما يهم فورمان هو التعليم وايصال أفكاره، وثمة مشاهد تؤدى بالحركة البطيئة لتوحي بمنظر ثنائي الأبعاد، ومشاهد أخرى تؤدى من منظور مسرح البرواز، ونجد الممثلين يبحلقون في الجمهور، وثمة تلاعب بالمنظور احيانا. وباختصار يبدو ان هذا المسرح خارج عن القوانين المتعارف عليها للمكان والزمان. في مسرحية خطاب إلى الملكة فكتوريا لا تجد بناء سرديا، فهي تفتقد الى نقطة البداية والنهاية، وكاتبها ويلسون يعتبرها عملا أوبراليا بالرغم من عدم وجود مغنين أو غناء. أما موسيقاها فخطب تمثيلية شفوية ذات موضوعات متعددة منها: الحرب الأهلية. الاستعمار الثقافي. القنبلة الذرية. الحضارات القديمة.. انها تبدو كتعليق سياسي واجتماعي على أحوال الناس. وهي مسرحية تطهيرية، فيها تصوير للحياة الامريكية الخالية من المعنى بطريقة غير مألوفة. فهناك تابلوهات صامتة وصاخبة، ومناظر مقتطعة من الجرائد والتلفزيون والراديو والسينما، كل ذلك في تجميع يسوده نشاز. والعرض يبدأ وينتهي بالصراخ والكلمات المبهمة وحوافر الخيول وصفير القطارات ودوي القنابل. وتبدأ المسرحية أساسا من خطاب حقيقي كتبه أحدهم في القرن التاسع عشر للملكة فكتوريا يقول فيه: إنني يا سيدتي لا أستحق شرف التعرف على جلالتكم، كما اني أعلم انني لا أستحق شرف المثول أمام شمسكم الساطعة. إن مكانتي تلك الوضيعة لتجعل تقدمي لجلالتك هكذا جرأة غير مغفورة. مسرحية الحصان الأحمر بالرسوم المتحركة كتبها وأخرجها لي بروير وقدمت لأول مرة عام 1970، لا يوجد نص تقليدي لها هناك نص اخراجي مع الرسوم الخاصة به، وهي تعتمد على معطيات الكورس السردي، فبدلا من الديالوج هناك مونولوج داخلي يؤديه الممثل من غير ان يكون الحديث موجها الى آخر يتحدث فيه عن حياة الحصان العاطفية، ويقوم الممثلون بتشكيل صور للحصان والممثلون غالبا ما يستبدلون الطريقة العمودية بالطريقة الافقية فهم ممدون على الأرض مما يضطر المشاهد الى ان ينظر الى الحركة من فوق. يقوم الممثلون بتقديم عدة حكايات بطريقة السرد تصور الحصان في حال أنسنته وهو يخوض التجارب ويتذكر ماضيه، وفي نهاية العرض تتلاشى صورته في الفضاء. وهنا ايضا يستخدم المنظور التكعيبي حيث يرى المشاهد الشيء من عدة جوانب، أما الممثل فهو وسيط لنقل مشاعر الحصان من خلال الصور. عبدالفتاح رواس قلعة جي