بيان الكتب: ولد مكسيم جوركي في مدينة نجنى نوفجورن سنة 1868، وبعد الثورة سميت هذه المدينة باسم «جوركي » تكريما له. أما اسمه الحقيقي فهو «الكسي مكسيموفيتش بيشكوف». وينحدر جوركي من أسرة فقيرة، فقد والده وهو صغير لذلك ربته جدته لأمه وعهدت به إلى صانع أحذية وعمره 9 سنوات. ولما كان مزاجه ثائرا فقد ترك منزله وهو ابن 12 سنة وامتهن عدة أعمال أهمها مساعد مساح، ومعاون طباخ في سفينة بنهر الفولجا، وعامل في مصنع بسكويت، وبائع جوال، وكومبارس، وكاتب عند محام.. كما أمضى عدة سنوات هائما هنا وهناك، وتلك المهن وحياة التشرد أثرّت بكتاباته فيما بعد وأثرت تجربته في معرفة أنماط عديدة من البشر كانت مادة غنية لقصصه القصيرة التي امتازت بالحيوية والحياة ومعظمها يصور حياة البائسين والمعدمين حتى بلغ جوركي مرتبة أبرز الشخصيات الأدبية في عصره وأكثرها تأثيرا في الأدب الروسي خاصة والعالمي عامة. وكثيرا ما كان يطّلع على كتابات أقرانه من الأدباء قبل نشرها وينقدها بصراحة متناهية كما يشاورهم ويتقبل نصائحهم حتى قيل إن من يريد فهم المجتمع الروسي عليه بدراسة قصص جوركي دراسة متعمقة. نال جوركي شهرة عالمية في الأدب المسرحي بمسرحياته التي تصور الأحياء الشعبية الفقيرة. وكتب مجموعة من الروايات التي تستند إلى الواقع وفي مطلعها رواية «الأم » موضوع بحثنا اليوم. وحاول أن يرتقي بالمجتمع الروسي في جميع نواحي الحياة. وشارك جوركي في ثورة 1905 ضد القياصرة واضطر إلى الرحيل بعد فشلها وبقى في الخارج حتى سنة 1928 حيث عاد وكرم تكريما عظيما، وخلال فترة المنفى سافر إلى أوروبا وأمريكا للدعوة إلى تحرير بلاده من قيود القياصرة وبعد نجاح الثورة ضد القياصرة سنة 1917 كان جوركي من أشد المتحمسين والمناصرين لها حتى نهاية حياته. و قيل عن جوركي إنه سياسي متصنع وأديب مطبوع. وتبدأ أحداث رواية «الأم » في مصنع للعمال. «أولئك الذين يمثلون العمود الفقري للطبقات الاجتماعية في المجتمع الروسي الذي حرص جوركي على إظهار معاناته ». حيث تنطلق صفارته تدوي مع الصباح الباكر في الجو الدبق المثقل بالسخام على الضاحية العمالية فينطلق الناس مستجيبين للصفير أشبه بالخنافس المذعورة وهم يحثون الخطى في الفجر البارد المظلم نحو جدران المعمل الشاهقة التي تنتظرهم في طمأنينة باردة غير عابئة، والوحل يتكسر تحت أقدامهم، والجو يتمزق بشتائم قبيحة. وكانت المداخن العالية قاتمة السوداء تشرف على الضاحية بكاملها وكأنها مسلات شامخة تنذر بالويل والثبور. ثم ليقضوا يومهم بين جعجعة الآلات الثقيلة وضجيجها وغليان البخار وصفيره، وهكذا يمر اليوم من دون أن يخلّف أثرا، في الوقت الذي يتقدم فيه المرء خطوة جديدة باتجاه قبره. ويصف جوركي حالة هؤلاء التعساء أيام الآحاد عندما يذهب المتزوجون منهم إلى الكنيسة وهم يلومون الشباب لعدم مبالاتهم بأمور الدين، أولئك الشباب الذين يقيمون حفلاتهم الخاصة في المنازل، يعزفون على الاوركوديون ويعبون الشراب وينشدون الأغاني المرذولة فيتّقد في صدورهم هيجان مريض عصي على الادراك، كثيرا ما ينتهي إلى شجارات دامية وضارة. ثم هم جميعا يحذرون الغرباء أن يشوشوا الانتظام الممل لتلك الحياة، وبعد خمسين عاما من مثل هذه الحياة يموت المرء. بمثل تلك المقدمة يشرع جوركي الولوج في روايته ثم يتحدث عن ميخائيل فلاسوف الميكانيكي في المصنع ذي العينين الصغيرتين. المهيمن على من حوله في المصنع والضاحية، الكثير التصادم مع الآخرين ومع رؤسائه حتى خافه وكرهه الجميع. ولم تكن سيرته مع زوجته بيلاجيا أو مع ولده بافل بأحسن من سيرته مع الآخرين. قضى فلاسوف سنتيه الأخيرتين وهو في جفوة وخصام مع زوجته وابنه بافل إثر خصومة بينه وبين ولده، وعندما مات كان عمر ولده بافل 16 سنة. لم يكترث أحد لموته، زوجته وحدها ذرفت دموعا قليلة. قال بعضهم بعد موته: يجب أن تكون بيلاجيا سعيدة جدا لموته ! وقال آخرون: لقد مات كلبا مثلما عاش. لم يمر وقت طويل على وفاة فلاسوف حتى راح ابنه بافل يقلد طريقة حياته في الشراب والتدخين متجاهلا توسلات أمه حتى قالت له: لقد شرب أبوك عنه وعنك وما يزيد أيضا، أفلا يكفي ما لقيت من شقاء ؟ أفلا ترحم أمك قليلا؟.. عندها أخذّ بافل يجد في عمله، وغير من نهج حياته وتعامله مع أمه الذي اتسم باللين والعطف، كما جدّ في قراءة الكتب الممنوعة، وعندما سألته أمه عن ذلك قال لها: أريد معرفة الحقيقة ! ولأنها أدركت أن هذا الطريق محفوف بالمخاطر والأسرار استسلمت للبكاء في هدوء وانزواء فقد اعتادت على عدم التذمر. ثم أيقنت أن روح التمرد والثورة تغلغلت وتمكنت من أعماق وليدها وأنه واحد من أولئك الذين يريدون مساعدة الشعب ويزرعون الحقيقة بين أفراده والذين يلقون وهم في مسيرتهم بهذا الطريق العناء والمحاربة والسجن الذي غالبا ما يكون مع الأشغال الشاقة، والنفي إلى سيبيريا ليموتوا من البرد القارس. ولكن بافل يدعو رفاقه إلى اجتماع سري في بيته، وتتعرف الأم بيلاجيا على معظمهم وتقوم على تهيئة المناخ المناسب لإنجاح اجتماعهم الذي استمر حتى وقت متأخر من الليل. ثم ليتكرر ذلك اللقاء في بيت بافل كل سبت مع تزايد في أعدادهم. وعلمت الأم من حواراتهم التي لم تخل من مشادات أو مرح أحيانا أنهم اشتراكيون وهذا يعني أنهم ضد القيصر. داهم الدرك منزل بافل أكثر من مرة، ليعرف بافل ورفاقه طريق السجن. الأم بيلاجيا التي أدهشها كل ذلك تطوعت لمواصلة طريق النضال الذي بدأه أبنها وقامت بادخال المناشير إلى المصنع تحت غطاء بيع الحساء والمعكرونة والملفوف. وقُتل أشعيا الرجل الذي كان يشي بالرفاق وضاع دمه ولم يُعثر على قاتله، وفرح لذلك كثيرون. قال بعضهم مبررا ذلك: إننا نقتل البعوض لأنه يمتص قطرة واحدة من دمائنا. جرى كل ذلك بينما كان بافل يستعد هو ورفاقه للتظاهر والاحتجاج بمناسبة يوم العمال العالمي في الأول من مايو، ويدور حديث في بيت بافل يصر فيه بافل على رفع العلم في مقدمة المسيرة رغم احتجاج واعتراض رفاقه خوفا عليه، وتنصت أمه بيلاجيا بكل قلق الأم على وحيدها من ذلك الاندفاع والتحمس رغم أنها باتت تدرك أنه لم يعد وحيدا، ولكنها في النهاية تشارك معهم في التظاهر وتحدث مصادمات ويعتقل بعض المناضلين ومن بينهم بافل وأندرية الأوكراني. انتقلت الأم لتعيش في المدينة مع نيقولاي الموظف في إدارة الولاية وأحد المناضلين، وأدركت أنها تودع البيت الذي قضت فيه جلّ حياتها إلى الابد، وهناك تعرفت على صوفيا شقيقة نيقولاي وساعدتها كثيرا حتى تتكيف مع الحياة الجديدة وعملتا معا في مساعدة المناضلين والمنفيين. وأدركت بيلاجيا أن النضال في المدينة أفضل، وأنها معركة تتطلب الكر والفر وتعلمت فنون المكر والخداع لكي تحافظ على نفسها، بل إن فيلاجيا ساهمت في نقل المعركة لتشمل الفلاحين أيضا من خلال توزيع الكتب والمناشير سرا، وتعرفت على المزيد من المناضلين ولكنها لم تنقطع عن التفكير بولدها بافل، وكانت تسأل نفسها: وماذا عن بافل ؟ وهي مدركة أنه سيحاكم وربما سينفى إلى سيبيريا كغيره من الناشطين. حضرت الأم بيلاجيا المحاكمة الصورية وأعجبت بصمود ولدها ورفاقه الذين حكم عليهم بالنفي جميعا إلى سيبيريا وهو أمر متوقع وشائع في ذلك الوقت. وبقيت كلمات ولدها ترن في أذنها عندما خاطب المحكمة بكل جرأة وثبات وصرخ في وجوههم: إنكم تعلمّون الناس كيف يكونون جواسيس، وتفسدون النساء والفتيات، وتجعلون من الرجال لصوصا ومجرمين وتسممونهم بالفودكا وبالحروب الدولية والاكاذيب. وتساءل هل تلك هي حضارتكم !؟ فرحت الأم بيلاجيا أن رفاق ولدها قرروا طبع ونشر خطبة ولدها. وتطوعت للقيام بنقلها لتوزع على الناس، وأثناء ذلك أُكتشف أمرها في احدى المحطات. وقبل القاء القبض عليها وزعت المناشير وهي تصيح بالناس الذين تجمهروا حولها: لقد قدّموا أبناءنا للمحاكمة لأنهم بكل بساطة يقولون الحقيقة لسائر الناس. وطلبت من الناس أن يتحدوا: أيها الناس الطيبون اتحدوا في قوة عاتية.. لا تدعوا شيئا يخيفكم. فليس شيء يكون أكثر مرارة من الحياة التي تعيشون..! هكذا كتب جوركي روايته حيث نحى فيها منحى الثائر الذي يمكنه التأثير بالجماهير عبر الحبكة أو الجمل القصيرة المؤثرة على ألسنة أبطال رواياته مثل : نحن أشبه بالمطر، فكل قطرة منا تروي البذور.. فتشوا عن الحقيقة واكنزوها فإذا ما نلتم حريتكم مرة فسوف تحصلون على الخبز والعدالة معا.. لا تسمحي لهم باستعمال ظهرك كي يتعلموا كيف يمارسون الجلد على الآخرين.. أي نوع من الخبز من الممكن أن نتوقعه من طحين غير منخول.. الأسعار ما زالت ترتفع ومع ارتفاعها تهبط قيمة الناس.. وقد قيل أن مكسيم جوركي مات مسموما في سنة 1936.