بيان الكتب: ايدوي بلينل هو احد مدراء صحيفة «لوموند» الباريسية. سبق له ونشر عددا من الكتب منها «الجمهورية غير المكتملة» و«رحلة مع كريستوف كولومبس» و«الكلمات المسروقة» ... إلخ. كتاب عن ذكريات سن شباب لمؤلف هذا الكتاب، وفي الوقت نفسه عن التاريخ الفكري والثقافي لفرنسا خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات بشكل خاص وما قاربها ايضا بشكل عام. انه يعود الى عام 1969، عندما اصبح مناضلا في صفوف الاممية الرابعة. يقول: «لقد كنت تروتسكيا.. ولكنني لم اكن كذلك فقط خلال عشر سنوات». واعتبارا من عام 1970 ناضل في صفوف «الرابطة الشيوعية» التي اصبحت تسمى اعتبارا من عام 1973 «الرابطة الشيوعية الثورية» والتي بقيت رسميا بمثابة «الفرع الفرنسي» لتلك الاممية. يقول المؤلف عن تلك الفترة: «كنت في اطار ذلك الجهاز عضوا في اللجنة الدولية المكلفة بالعالم العربي وبتحديد اكثر بمنطقة المغرب. كان ذلك الانتماء «الثوري» للشاب بلينل يأتي في سياق الاحداث التي عرفتها فرنسا في شهر مايو من عام 1968 والمعروفة باسم «ثورة الطلبة».. والتي ساهمت الى حد كبير في تغييرات اجتماعية عميقة على الصعيد الفرنسي بل وعلى الصعيد الاوروبي. ومن الملفت للانتباه هو ان العديدين من «الثوريين» الذين كانوا في قيادة احداث مايو 1968 في باريس من امثال «سيرج جولي» و«كوهين بنديت» و«ايدوي بلينل» وغيرهم قد انخرطوا فيما بعد في آلية عمل الدولة التي كانوا قد اعلنوا غضبهم ضدها. ويتحدث مؤلفة هذا الكتاب باسهاب عن التجربة «التروتسكية» لرئيس الحكومة الفرنسي الحالي ليونيل جوسبان، الذي «نفى بقوة أولا» انتماءه الى اي تنظيم يساري ثوري وذلك قبل ان «يعترف» بسرعة بذلك، وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب ايضا هو ان ليونيل جوسبان وأخاه أوليفييه قد حافظا على علاقة وطيدة مع رئيس «المنظمة الشيوعية الدولية» وحتى الوقت الذي كان فيه «ليونيل» رئيسا ـ امينا أولا ـ للحزب الاشتراكي الفرنسي. لكن الفرنسيين لم يولوا اهمية كبيرة لهذا الامر، وحيث كان رد الفعل العام هو: «هذا الامر قليل الاهمية. لقد كان، ولكنه لم يعد كذلك». ويلخص المؤلف موقفه من «ماضيه» السياسي التروتسكي بالقول: لو كان علي ان احدد ماذا بقي لي من التروتسكية لقلت بأنني تروتسكي ثقافي، امتلك هوية وسيطة، هجينة (...) ان التروتسكية كتجربة وكإرث تشكل دائما جزءا من هويتي، ولكن ليس كمنهج او كبرنامج وانما كحالة ذهنية....» وبناء على مثل هذا الرأي يؤكد بأنه ليس لديه، ما يبرره او يشرحه وباختصار يمكن القول بأن المؤلف قد تعامل مع ماضيه بالطريقة التي عبر عنها «والتر بنجامان» عندما قال: «ان من يحاول الاقتراب من ماضيه التشخيصي فإن عليه ان يفعل ذلك مثل انسان ينقب» ان فعل التذكر يبدو بمثابة فعل التنقيب في الآثار. هناك اذن قدر كبير من الانتقائية. وفي فصل يحمل عنوان «ديجول وتروتسكي» ان العلاقة بين القائد الفرنسي التاريخي والسياسي الروسي اليساري ليون تروتسكي انما تقوم عبر علاقة اندريه مالرو مع كل منهما حيث كان لفترة من الزمن وزيرا للثقافة لدى الجنرال ديجول، ويرى المؤلف بأن الشخصية الكبرى التي كان لها تأثير كبير على «مالرو» قبل الجنرال انما هي في الواقع شخصية «ليون تروتسكي». ان مؤلف هذا الكتاب يرمي بوضوح الى التأكيد بأن التروتسكية كانت اثناء سن الشباب بمثابة نموذج «موديل» او «ممر» عبر منه الكثيرون من امثال «مالرو» الذي تأثر بتروتسكي او ليونيل جو سبان الذي كان تروتسكيا منظما مثله مثل المؤلف ذاته كان جوسبان رئيس الحكومة الفرنسية الحالي، يحمل اسما سريا هو «الرفيق ميشيل» بينما كان مؤلف هذا الكتاب يحمل اسم «جوزيف كراسني» وهو يخصص احد فصوله لـ «كراسني» هذا. انه يعترف ويؤكد التزامه لفترة من الزمن بالنهج التروتسكي.. لقد كان لكنه لم يعد كذلك... انه يردد ان الانسان ليس ما يخفيه وانما ما يفعله.. كما جاء ذات يوم على لسان اندريه مالرو الكاتب والأديب الذي اصبح احد اشهر وزراء الثقافة في تاريخ فرنسا كله. ان العديد من صفحات هذا الكتاب مكرسة لتحليل موقف البشر من ماضيهم وخاصة من ماضيهم السياسي عندما يكونون في عداد الشخصيات العامة. ويرى المؤلف بأن هناك موقفين اساسيين يتمثل احدهما بـ «الانفصال» الكامل عن هذا الماضي وبالتالي بـ «امكانية الحديث عنه دون خوف او حرج.. اما الموقف الآخر فهو «عدم القطيعة» نفسيا على الاقل مع هذا الماضي مما يدفع نحو «اخفائه» وعدم الحديث عنه. ويعود المؤلف مرارا ايضا الى الحديث عن اللقاء الذي جمع بين اندرية مالرو وليون تروتسكي في شهر اغسطس من عام 1933. وفي ذلك اللقاء تحدث الرجلان عن «قضايا كبرى» تهم الانسانية ومصيرها وعندما يتم الحديث عن مصير الانسانية لا يسأل المعنيون عن اخبار الاسرة «كما يقول المؤلف الذي يتحدث طويلا عن سيرة حياة «بطليه» اي اندرية مالرو وليون تروتسكي. كتاب في الأدب والفكر والسياسة.. وقبل كل شيء في بعض محطات التاريخ الفرنسي خلال عدة عقود خلت