بيان الكتب: كتاب جماعي يشارك فيه العديد من الباحثين والمفكرين العرب والاجانب.. ومن بينهم المفكر الامريكي نعوم شومسكي الذي كتب مقدمة الكتاب، والمفكر الفلسطيني، الامريكي الجنسية، ادوارد سعيد، والصحفي البريطاني المختص بشئون الشرق الاوسط «روبرت فيسك» والكاتبة البريطانية المصرية الأصل أهداف سويف والمفكر الفلسطيني المناضل عزمي بشارة وعدد آخر من الباحثين المعروفين. القاسم المشترك بين المساهمين في هذا الكتاب هو معارضتهم الشديدة لسياسة العنف التي تنتهجها حكومة ارييل شارون التي أنهت أي أمل منظور في امكانية تحقيق السلام في الشرق الاوسط. وحيث ان ارييل شارون نفسه هو الذي كان وراء انفجار موجة العنف عندما تحدى مشاعر الفلسطينيين امام المسجد الأقصى في شهر سبتمبر من عام 2000.. ومنذ ذلك التاريخ اندلعت «الانتفاضة الجديدة» ولم تتوقف. ان المساهمين في هذا الكتاب، من كتاب ومحللين، يحاولون شرح الاسباب العميقة التي أدت الى انطلاق الانتفاضة ونتائجها بالنسبة للشعب الفلسطيني ولاسرائيل ايضاً، وكذلك بالنسبة لمستقبل السلام في منطقة الشرق الاوسط. ويتطرق بعض المساهمين مثل نعوم شومسكي وادوارد سعيد وعدد غيرهم الى شرح الدور الحقيقي للولايات المتحدة الامريكية حيال النزاع في الشرق الاوسط ودعمها للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ اتفاق اوسلو. بالاضافة الى هذا كله تحتوي بعض مساهمات هذا الكتاب على عملية توصيف دقيقة لواقع الانتفاضة الجديدة ومدى الشجاعة الاستثنائية التي يتسم فيها شباب يواجهون الدبابات الاسرائيلية بالحجارة. هذا ما تدل عليه ايضا مجموعة الصور التي يحتوي عليها هذا الكتاب. ويتم التأكيد في تمهيد «روان كاراي» لهذا الكتاب على ان «الشعب الامريكي يتحمل مسئولية خاصة في هذا النزاع ـ الفلسطيني الاسرائيلي ـ وذلك من خلال دعم حكومتنا لاسرائيل بمليارات الدولارات على شكل مساعدات عسكرية واقتصادية كل عام». كما يتم التأكيد على تغاضي الحكومة الامريكية عن القمع الذي تمارسه اسرائيل مع استمرار احتلالها غير المشروع، كما يبدو وكأن الادارة الامريكية تعطي «شيكاً على بياض» لاصدقائها الاسرائيليين. ولا يتردد نعوم شومسكي في تحميل الحكومة الاسرائيلية، التي كان يرأسها «ايهود باراك» مسئولية انفجار موجة العنف الجديدة اي «المرحلة الاخيرة ـ زمنياً ـ في الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني المفتوح».. وذلك عندما سمحت تلك الحكومة، بل زوّدت «ارييل شارون» بعدد كبير من عناصر الحماية المسلحين عندما قام بزيارته الاستفزازية لحرم المسجد الاقصى. تلك الزيارة التي رأى فيها الفلسطينيون عملية «عقاب واذلال جماعي» ويشير «شومسكي» في هذا السياق الى التجاهل الكبير الذي ابدته وسائل الاعلام الامريكية حيال التقرير التي نشرتها منظمات الدفاع عن حقوق الانسان والتي لم تتم الاشارة لها الا مرة واحدة ـ ربما ـ بعد اليوم الخامس لنشرها. وفي الوقت نفسه من النادر جداً الحديث عن اعمال القمع «الشرسة» التي تمارسها اسرائيل والتي يعد شومسكي في مقدمتها مقتل الطفل محمد الدرة. ولا يتردد ايضا في الحديث عن «التواطؤ» الامريكي الصريح مع اسرائيل فـ «الطائرات التي يستخدمها الاسرائيليون هي طائرات امريكية يقودها طيارون من اسرائيل». ان نعوم شومسكي يقدم ايضا «قراءة» تاريخية لتطور الموقف الامريكي حيال منطقة الشرق الاوسط منذ نهاية الحرب العالمية الاولى وحيث ارادت الولايات المتحدة ان تحظى بالموقع المتميز الذي كانت تحظى به بريطانيا قبل ذلك في المنطقة وحيث كان بريطانيون هم الذين يسيّرون في الواقع الامور خلف «واجهة عربية». وقد تم اعتبار «تركيا» في تلك الفترة بمثابة «قاعدة امريكية» في المنطقة. وكانت ايران بمثابة قاعدة اخرى حتى الانقلاب الوطني الذي قام به محمد مصدق عام 1951 واستمرت حكومته حتى عام 1953 لتعود الامور الى ما كانت عليه. لكن منذ عام 1948 اصبحت اسرائيل هي الدولة الصديقة لامريكا التي «رأت بها القوة العسكرية الاقليمية الأكثر أهمية بعد تركيا». وفي عام 1967 كانت اسرائيل الوسيلة لكسر شوكة عبدالناصر الذي كان يمثل رمز القومية العربية. ويبرز نعوم شومسكي من جهة اخرى الدور الذي لعبته اسرائيل في «تخريب ظروف العمل» بالنسبة للفلسطينيين ونشرها حالة من الفقر والفاقة في مجمل الاراضي المحتلة. باختصار «عطّلت آليات عمل المنظومة الاجتماعية» الفلسطينية. ويرى شومسكي بان احد الاسباب العميقة لاعاقة التوسع الازدهاري يكمن في «الازمة الديموغرافية» او ما يسميه بعض المحللين بـ «الخطر الديموغرافي» وضمن هذه الظروف يؤكد على ان اسرائيل، وبالتحالف مع امريكا سعت منذ ثلاثة عقود خاصة من أجل اقامة «منظومة استعمارية جديدة تؤمن اكبر قدر ممكن من «تبعية» الفلسطينيين حيالها على مختلف الاصعدة. تحت العنوان العريض «القمع والمقاومة» يتم تقديم عدد من مساهمات هذا الكتاب، يبدأها ادوارد سعيد بدراسة تحمل عنوان: «الفلسطينيون تحت الحصار». وهو يؤكد بالحجة والبرهان، واعتماداً على العديد من الآراء والمقالات الاسرائيلية نفسها، بان حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة قد أصبحت «لا تطاق» إذ انهم لا يستطيعون تأمين الحد الادنى المطلوب لـ «الحياة العادية». ان ادوارد سعيد يستعرض النتائج المباشرة للقمع الاسرائيلي في مواجهة الانتفاضة الجديدة، على مستوى الحياة اليومية للفلسطينيين. وهو يتساءل بالوقت نفسه عما حققه اتفاق اوسلو لعام 1993. انه يقدم مع تحليلاته عدداً من الخرائط التوضيحية التي تبيّن «مدى الاجحاف» في عملية التقسيم، حيث ان الفلسطينيين يفتقرون في الواقع للحد الادنى لتحقيق سيادتهم الفعلية على ارضهم، وليس حالياً فقط وانما في منظور الخطط الاسرائيلية المستقبلية. ولا ينسى ادوارد سعيد ان يذكّر ويدلل ويبرهن على الدعم الامريكي اللامحدود لاسرائيل، ولعل مثالاً واحداً مما ساقه يوضح ذلك اذ يشير الى ان «الولايات المتحدة ومنذ حرب يونيو 1967 قدمت لاسرائيل اكثر من 92 بليون دولار كمساعدات مالية وعسكرية..». بشكل عام تشترك المساهمات التي يحتويها هذا الكتاب بعدة نقاط يتمثل اهمها في التأكيد على شراسة القمع الاسرائيلي منذ 29 سبتمبر عام 2000 «بدء الانتفاضة الجديدة»، وفي التعرض لتاريخية وتطور الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي منذ توقيع اتفاق اوسلو عام 1993 التي يعتبرها الجميع في حالة احتضار بل و«موات» عملياً، وهناك نقطة مشتركة اخرى هي الاتفاق العام على التحيز الكبير لاسرائيل من قبل مختلف الادارات الامريكية، وكذلك من قبل وسائل الاعلام وفي مقدمتها «نيويورك تايمز».. «التحيز لاسرائيل»، ولكن ايضا «العداء» للفلسطينيين.. ويرى المساهمون في هذا الكتاب ايضاً بأن المقاومة الفلسطينية بجميع الوسائل، بما فيها استخدام العنف، إنما هي مشروعة طالما ان اسرائيل تصر على دوام احتلالها للاراضي الفلسطينية والعربية الاخرى والتي كانت قد استولت عليها عام 1967.. وضمن السياق نفسه يتم التأكيد على ان اسرائيل، وخلفها الولايات المتحدة، كانتا باستمرار بمثابة العقبة الحقيقية امام ايجاد حل عادل ودائم للصراع العربي ـ الاسرائيلي. ولعل من اهم النقاط الايجابية في هذا الكتاب هو انه يقدم للقاريء الغربي عامة، وللامريكي خاصة قدراً كبيراً من المعلومات التي قد يكون من المستحيل بالنسبة له الحصول عليها من وسائل الاعلام المحلية المختلفة، ومن الملفت للانتباه في التحليلات المقدمة تبني مؤلفيها لحجج قوية ومقنعة ولعل من النقاط الايجابية لهذا العمل واقع ان بعض مساهميه هم من اليهود الذين يؤكدون بقوة على ادانة سياسات القمع التي تمارسها الحكومة الاسرائيلية وليس نعوم شومسكي هو اقلهم اهمية.. ويمكن القول ايضا بان هذا الكتاب قد نجح في تقديم حقيقة «الانتفاضة الجديدة» لرأي عام غربي يجهل باغلبيته الرهانات الحقيقية للصراع العربي ـ الاسرائيلي