بيان الكتب: هذه رواية لاديب شاب تبشر بمولد نجم جديد في عالم الكتابة الروائية رغم ما قد يرد عليها من اوجه نقد سواء على اطارها العام او بعض الافكار والرؤى التي يقدمها المؤلف، فالشعور الاساسي الذي ينتابك بعد الفراغ من قراءتها هو الاحساس بمزاج سوداوي يسيطر عليك بفعل الاجواء المأساوية التي تعد الطابع العام لاحداث الرواية، صحيح انها تعكس الواقع الذي نعيشه، إلا ان الكاتب سيد هذه الاجواء بشكل ضيق امامنا اي مجال لرؤية ضوء في نهاية النفق، ولم يفتح لنا اية كوة تضيف لنا بصيص أمل، غير ان المؤلف صاغ ذلك بشكل يؤكد امتلاكه لادواته وقدرته على حبك الاحداث رغم اتساعها وتعدد وتنوع الشخوص التي تمثل نسيجها. فبدءاً بفاطمة التي تعد الشخصية المحورية في العمل مروراً بمحمد ابو سليمان وحسن وياسر ومريم وعدد آخر من الشخصيات الثانوية وانتهاء بعيسى يجسد لنا المؤلف المأساة التي نحياها دون طرح مباشر مؤكداً على الفكرة الرئيسية التي اعدها المؤلف في حواره المنشور على هذه الصفحات من ان الجثث المتعفنة لا يمكن لها ان تجلب سوى الغربان. ساق الكاتب موضوعه على شكل قد يوحي للبعض بأنها مجموعة قصص قصيرة، إلا انه نجح في ألا تفلت منه الاحداث، والقدرة على الربط بينها في نسيج روائي واحد ما يمكن اعتباره نوعاً من التجديد في الشكل الروائي والخروج بالرواية عن احد اشكالها التقليدية. وبشكل مختصر.. ومخل ايضا.. تحكي الرواية عن فاطمة «الفتاة والمدرسة» التي تنشأ في الجوقة وترتبط بابن الجيران حسن «الطالب» الذي يعمل بمخبز والده محمد ابو سليمان الجندي المقاتل، وتربطه صداقة بأخيها ياسر.. الذي يتم القبض عليه بتهمة السرقة والقتل ويصدر عليه حكم بالاعدام فتجن امه لتكتشف فاطمة ـ في النهاية انها ابنة مريم.. تلك المرأة التي تزوجت من ثري ولم تفلح محاولاتها في ان تنجب له ولداً فتخطط لتحقيق ذلك بأي شكل حتى لو اقتضى الامر سرقة مولود ذكر وهو ما يساعدها على تحقيقه الممرض عيسى فيتم استبدال ابنتها فاطمة بنعيم اخو ياسر التوأم. الذي يقترف جرائم يروح ضحيتها اخوه، وامام ضغوط الاحداث والتي لا تستطيع فاطمة مواجهتها اثر هجر حبيبها له لينتهي بها المطاف في مستشفى المجانين. ومن خلال هذه الحكاية والتي قد تبدو بسيطة يقدم لنا البراري مجتمعا يحكمه الفساد والانسياق وراء شهوات الجنس.. والاحساس بالهزيمة امام العدو والتي اضاعت فلسطين وفاطمة.. مازجا ببراعة بين الهم العام والخاص. يبدأ البراري روايته بالحديث عن فاطمة متناولا اياها على غرار بقية شخوصه في بدايات كل فصل، بضمير الغائب محاولا ان يقدمها على شكل لغز يفك لك طلاسمه على مراحل. وهي ازاء ظروفها كفتاة غير جميلة شنق اخوها وجنت امها وهجرها حبيبها تشعر بالنقمة على المجتمع الذي جعلها علكة في افواه النساء، وهي تعبر عن ذلك بالفاظ تقطر منها المرارة، وهي السمة الغالبة على اللغة التي يستخدمها ابطال الرواية، فترى ان مجتمعها يعيش اقصى درجات الانحطاط.. والشتائم عندكم من نوع خاص فهي سلاحكم تحاربون به الدول وتصنعون النصر بالكلام».. وهي في نقمتها على المجتمع ترى انهم صلبوها عارية في سوق الحثالة.. ذلك المجتمع الذي تفوح من انفاسه رائحة المراحيض العامة، وهي تجسد مأساتها في قولها: أمن المسكينة جنت ثقبت الحقيقة ـ رأسها فهرب العقل كالبخار المضغوط وبقيت انا اجادل الجنون بجنون حتى أصبحنا شيئا واحداً. اما محمد ابو سليمان والذي يمثل الجيل الذي ذاق اهوال الكفاح، فيما يمثل من وجهة نظر ابنه حسن جيل الآباء الذي جلب الهزيمة، فهو دون جوان عصره وزمانه، وهو يغرق في الجنس والرذيلة حتى تشعر في ذلك الجزء من الرواية انك ازاء رواية جنسية فأي امرأة تقابله تعجبه وتعجب به ويبدآن ممارسة حياة جنسية مملة وسخيفة ويهيم بها شوقاً، فضلا عن ان المؤلف اسرف في هذا الجزء بالذات في استخدام قاموس الفاظ اساسه الكلمات النابية ناظراً لكل شيء من خلال منظار البول والغائط، فالكلمات التي تخرج من لسان ابو حسن تشبه «الغائط» اما حين يهدد احد الاشخاص فهو يقول له لاشربن من دمك الذي يشبه البول. وفي مقطع آخر يقول: «امسكته من سترته وكنت انوي تحطيم كل زجاجات البار فوق رأسه الذي يشبه كومة الغائط!» غير ان ذلك ليس هو الوجه الوحيد لمحمد ابو سليمان فهناك الوجه الوطني له والذي يبدو انه تراجع بسبب المآسي التي صادفها على الجبهة وجعلته يردد: كل كتاب التاريخ مرتزقة ودجالون، معربا عن الاسى والحسرة على ما لقيه خلال القتال قائلا: أسألوني عن السلاح التالف الذي قاتلنا به حتى لم نجد ما نحارب به غير الآنين. ولعل ذلك ما دفعه الى الانغماس في الشراب والجنس. وينتهي به سلوكه بمعاملته الجافة لابنه الى ترك هذا الاخير له في رحلة للبحث عن الذات تنتهي بالزواج من حنان المرأة الثرية التي تقترب من سن امه، وامتلاكه شركتها للتصدير والاستيراد بعد وفاتها، وانتقاله الى فئة اجتماعية اخرى. ورغم ذلك فلم يظفر حسن بحبيبته فاطمة ابنة الضفة الغربية التي لم يكتب القصائد إلا لها ولفلسطين.. وينتهي به الامر الى السير على درب والده بالانغماس في الشراب والجنس رغم نجاحه في التحدي الذي فرضه على نفسه تجاه والده بأنه سيصبح ذات يوم ذا شأن غير ان عدم ظفره بحبيبته جعل الدنيا تضيق امامه بشكل لم يعد يراها معه سوى انها للحثالة.. للذين يسيرون مفرغين من كل شيء، سوى القذارة كبهائم تتروث حين تنام، للبغايا اللائي يدللن على اثدائهن. اما ياسر فلم يمهله القدر لعيش لحظات السعادة التي كان يتمناها حيث اختطف منه والد حبيبته اسماء المحجبة، وقام بتزويجها من رجل آخر. ولم يكد يفيق على هذه المصيبة حتى قبض عليه ليحاكم على تهم ارتكبها اخوه التوأم نتيجة الالتباس الناشيء عن تشابههما في كل شيء، وهو يلعن حظه الذي لم يجعله يولد في زمن النضال وانما ولد في زمن الدولار، ورغم ذلك فهو مفعم بالامل في انتصار الثورة الفلسطينية.. ورغم النهاية المأساوية لياسر باعدامه على جرائم لم يرتكبها إلا انه يبدو وكأنه الرؤية الحالمة للحياة من بين كل شخوص الرواية فحبه لأسماء حب عذري لا ينطلق من نظرة شهوانية ورغم اجواء الاغواء التي تحيط به إلا ان باله مشغول بعودة فلسطين حتى انه يتمنى لو انه كان مثل والده الفدائي الذي افنى حياته في الكفاح من اجل القضية، حتى انه لم يهنأ بزواجه حيث التحق بفصائل الثورة بعد شهور قليلة، وظل يقاتل حتى استشهد خلف خطوط القتال. ومع ذلك يأبى المؤلف ان يجعله استثناء من اجواء رواية فتتسرب اليه النظرة المتشائمة التي تجعله يرى ان الايام المسعورة تتكفل دائما بقتل كل شيء، الصداقات الحميمة، العواطف الصادقة الاحلام الشبابية.. حتى الاحزان. ويعرج البراري على مريم فهي تعيش في حالة يرثى لها بسبب الجري وراء خلفة.. الولد بما يجعلها تشعر بأنها تحيا في محيط من الاحزان لم يخلق له شاطيء ولا نقطة نهاية. أما عيسى فهو يعيش حالة تأنيب ضمير على ما الحقه بفاطمة من اذى لم تقابله سوى بكل معروف دون ان تدري انه سبب مصائبها، وبعد ان كانت فعلته سبب سعادته بزواجه من سعادة ورغد عيش اذا بالقدر يأخذ منه زوجته وابنه في حادث سيارة حلما بأن يمتلكاها فلا يجد امامه بعد ان بترت ساقاه سوى بيع اليانصيب والسكن بالقرب من فاطمة وامها للتخفيف من احساسه بالذنب. ومن بين الاشخاص الثانويين تلمح عواد رفيق السلاح لمحمد ابو سليمان والذي بترت قدماه في الحرب والذي يراه المؤلف نموذجاً للوحدة بقدميه اللتين بقيتا في الضفة الغربية وجسده الذي دفن في الشرقية.. فيا من تطالبون بالوحدة تسكبون خطاباتكم على الاغنياء لتسقط الخطابات الرنانة.. واصبح عواد نموذجاً للوحدة فمن اجله تتوحد الارض والشعوب. وفي سياق سرده للاحداث نجح البراري في استخدام اسلوب التداخل في الاحداث بدلاً من الطريقة الاسترجاعية لها التي قد تبدو مملة في بعض الاحيان، رغم ما قد يبدو في ذلك من تلاعب بالحالة النفسية للقاريء فهو مثلا في حديثه عن ياسر يعرض لتخيلاته عن اسماء وامنيته ان يراها كما يشتهي، ويلمس شعرها الخفي، ويتحسس خديها الورديين ويسافر في العبير، وينتقل في الفقرة التالية مباشرة الى مجريات التحقيق معه في التهم المنسوبة اليه «قلت وقد تصدعت مقاومتي: ما هي تهمتي..؟ كفاك تلويحا بالكلام..؟ وهذا هو الاسلوب العام في اطار عرضه للاحداث فنجده كذلك في اطار حديثه عن حسن وذكرياته وكيف انه في الصف السادس كتب قصيدة عن فلسطين.. وطلب المعلم من التلاميذ ان يصفقوا له، وسط هذه الذكريات ينتقل حسن الى اللحظة الحاضرة، ضغطت على الزر الاحمر فدخلت السكرتيرة اماني. اما قمة التداخل فذلك الذي يتماس مع الجنون والذي يتبدى في حالة فاطمة والتي تشكو من انها لن تجد جنونا آخر بعد ان استوعبت حالة الجنون التي نعرفها، وهنا يبلغ المؤلف بروايته ذروة المأساة.. فالجوفة جيفة نتنة.. وحسن جرو.. اصبح كلبا.. وأمي آخر الحقائق بعدها اقفلت ابواب الاستيعاب.. كلما تذكرت جسمها المشنوق بحبل مربوط بقضيب في السقف والكرسي الواقع قرب قدميها المعلقتين: أضحك ما هكذا تنصب الارجوحة.. ولا هكذا يتأرجح الناس! انها بحق رواية تستحق جائزة افضل كتاب ابداعي في الوطن العربي. مصطفى عبدالرازق