بيان الكتب :لا نظن ان مثقفا ثوريا لم يقرأ كتاب الأم لمكسيم جوركي، أو لم يشاهد فيلما مأخوذا عن الرواية، ولو حصل ذلك، فان ذلك المثقف سيحتاج الى وقت طويل ليفهم معنى العذاب والاضطهاد الذي كانت تلاقيه الطبقة العاملة في روسيا القيصرية. مكسيم جوركي الذي نقرأ في «روايات خالدة» عرضا لحياته واعماله بالصفحة الاخيرة وعبر روايته الأم، لم يكن «مكسيم جوركي» كاتبا متمذهبا عقائديا، ولم ينتم الى حزب ثوري رغم مشاركته في ثورة 1905 ضد القياصرة، ورغم انه عاش في المنفى فترة طويلة، لكن كتاباته كما هي كتابات تولستوي وتشيخوف مهدت لانطلاقة فكرة الحرية العظيمة وساعدت البسطاء في فهم موقعهم الطبقي وضد من يوجهون بنادقهم أو يرفعون أصواتهم. لقد ساهمت الكتابة الثورية في تفجير الثورات وأسست لأفكار عظيمة ظلت وستظل نبراسا للأمم كما استفادت الثورة الفرنسية من أفكار بلزاك ورفاقه، فقد استفادت الثورة الروسية من الرؤى النيرة لجوركي وتورجنيف وتولستوي وتشيخوف، ولم يكن مهما ان يكون الادب مباشرا ومحرضا او موجها للقارئ نحو هدف معين، كانت مهمة الادب ان يغازل الحياة وان يبرز جمالها وان يقول انها رائعة ويصفها بأجمل الصفات دون أن يقول ان الاخر قبيح وجشع وظالم ولكن سيفهم القارئ عاجلا أم آجلا ان حياته انذاك لم تكن جميلة وليست رائعة والسبب هو ذلك الفقر الذي يعيشه وتلك القسوة التي تمارس عليه وسيدرك ان الفقر ليس هو الموت من الجوع بل الفقر هو الموت من القهر. ما أراده ذات يوم كلاسيكيو روسيا تحول مع مرور الوقت الى نشيد اجتماعي تبحث عنه أو تردده شعوب كثيرة.. لأن سقوط النظرية لا يعني انتفاء المشكلة، فالعالم اليوم يزداد قسوة وشعوب كثيرة مغلوبة على أمرها ولكنها لا تعرف من هو جلادها وكذلك لا تعرف طبيبها، لذلك يجيئ عرضنا لرواية الأم باعتبارها احدى الروايات الخالدة في التاريخ الحديث من موقع كثرة القساة الذين يتحكمون بمصائر الاشخاص والشعوب، وكم نحن أحوج اليوم الى تفتح وعي البسطاء ليكونوا وقوداً لحياتهم المؤجلة كما الأم «بيلاجيا» بطلة الرواية التي تحولت من امرأة بسيطة الى نموذج تحيطه الجماهير بالمحبة وتصغي الى كلماته وتفهم معانيه، ذلك النموذج الذي بات غائبا ليس في الحياة فحسب، بل هو غائب على مستوى الفهم والمعرفة بحيث لم يعد يعرف المرء من هو جلاده.. ومن هو طبيبه؟ حسين درويش