منذ وصول اوائل المستوطنين الفرنسيين والهولنديين والبرتغاليين الى جويانا الفرنسية، قبل حوالي 400 سنة، اقترن اسمها بالحرمان وشظف العيش والحياة القاسية فهي تعتبر مستعمرة التناقضات بامتياز فجزء منها عبارة عن تخوم برية، حيث تتصارع مجموعة صغيرة من السكان مع الغابة من اجل استغلال مصادرها، والجزء الآخر مجتمع حديث يدير منصة الاطلاق لوكالة الفضاء الاوروبية في كورو المطلة على ساحل الاطلسي. وحتى منتصف القرن العشرين، كانت جويانا الفرنسية لا تعدو كونها مجموعة مبعثرة من السجون الوحشية، محاطة بغابة مطرية كثيفة للغاية بحيث ان المجرمين كانوا يسجنون فيها بدون الحاجة لوضع سياج حولها. واليوم فان هذه القاعدة الاستوائية، التي تضاهي مساحتها مساحة البرتغال وعدد سكانها اقل من عدد سكان سوانسي، تتبع القانون والدستور الفرنسي ولكن في ظل نسبة بطالة تبلغ 25% فان المئات من الاشخاص ينجذبون الى امكانيات الداخل غير المستغلة ففي خضم قلب القمة هذا يلمع الذهب الذي يسيل له لعاب الكثيرين. مناجم جديدة يتم حفرها باستمرار في ارجاء الغابة بعضها قانوني، لكن معظمها ليس كذلك والكثير من المواقع يقع في مكان مخفي في اعماق الغابة جنوب غرب جويانا، وهي منطقة محصورة ومخصصة كمحمية للهنود من قبيلتي اميريللون ووايانا ولا يمكن الوصول اليها الا بواسطة القوارب عبر الامتدادات الفرعية لنهر ماروني. وهي ايضا بلد حدودي اي منطقة تطالب بها سورينام، وتجوبها بانتظام فيالق فرنسية، لكن اغراء الذهب قوي بحيث يجذب المئات من المهاجرين غير الشرعيين من البرازيل وسورينام المجاورتين دون ان يردعهم احتمال القاء القبض عليهم في هذه الارض الخضراء والرطبة. عند الفجر، تستعد فصيلة من قوات الكوماندوز الفرنسية من قسم «البحث والتحرك في الغابة» التابع لفرقة المشاة البحرية التاسعة ـ تستعد لاطلاق قواربها في نهر ماروني. وكل قارب منها مصنوع خصيصا بناء على طلب الزبون ومنحوت من جذع كامل لشجرة محلية تدعى «انجيليكا». مهمة الفصيلة العسكرية مباشرة وواضحة، وهي البحث عن مواقع التعدين غير المرخصة واعتقال العمال غير الشرعيين. ويتعين على احد رجال الشرطة ان يرافق الفصيلة وهو المندوب الرسمي المخول بالتدقيق في مسألة العمال غير الشرعيين والتبليغ عن كميات الذهب التي اكتشفوها. ولكن قبل الانطلاق بالقوارب، يتعين القيام بطقس مهم فالارض ينبغي ان تروى وارواح النهر يجب ان يتم ارضاؤها ولهذا يقوم احد الرجال بالتمتمة بترتيلة معينة قبل ان يسكب قنينة من المشروب على الارض الصفراء اللزجة. وفي هذه الاثناء ينضم الرجال الآخرون المحيطون به الى هذا الطقس القصير بالتصفيق بالايدي. وهذا تقليد لم يتغير، ويتم اتباعه دائما قبل ركوب الممر المائي، او كما يسميه الهنود «صاحب الجلالة الماروني» الساعة لم تتجاوز السادسة صباحا والغابة العذراء الكثيفة لم تكد تستيقظ بعد ولا تزال ترسل خيوطا من الرذاذ من اعالي الاشجار الباسقة وكأنها تسيل من مداخن خضراء عظيمة تتغلل الرطوبة الاستوائية الى البزات العسكرية لافراد الفصيلة الذين يعانون من الحرارة وثقل الحقائب المحمولة على ظهورهم الذي يبلغ 40 كيلوجراما. «اصعدوا على متن القارب جميعكم» هكذا يصيح الكابتن كبانيس، قائد الفصيلة، ويبدأ البحث عن صيادي الذهب. طريدة الكابتن كبانيس هذه المرة هي قطعة ارض يوسخها الطين، وغالبا ما تكون طريدته أولاداً مختبئين في عمق الغابة يحفرون اجزاء كاملة من الغابة العذراء بحثا عن الذهب، وفي احد المواقع، قام احد المنقبين بسحب انبوب كبير من البلاستيك لجر الماء من اجل استخدامه في حفر الارض. وعلى جذع شجرة قطع حديثا، يجلس رجل آخر يمكن بسهولة التعرف عليه باعتباره الزعيم لانه الشخص الوحيد الذي يرتدي جزمة من ماركة ويلنجتون. هذه المناجم لها تأثير مدمر على البيئة، ومع الاخذ بعين الاعتبار حقيقة ان بعض الحفريات تنتج كيلوجرامين من الذهب يوميا وانه سيتعين التعامل مع طن من التراب مقابل كل جرام يستخرج، فان الغابة المطرية الاستوائية يتم تخريبها بمعدل ينذر بالخطر، وهناك ايضا ثمن انساني يتكبده السكان المحليون، فقد بقي حوالي الف هندي محميين من الحضارة في جويانا الفرنسية، وهم يعيشون على الصيد والتقاط الثمار البرية. لكن المنقبين يقذفون الزئبق عالي السمية المستخدم في فصل جزيئات الذهب، في الانهار. وقد اظهر مسح اجرته دائرة الصحة والخدمات الاجتماعية في بلدة كورو ان انواعا معينة من الاسماك وبخاصة التي يكثر الهنود من تناولها تحتوي على محتوى عال بشكل غير مألوف من المعدن الثقيل (الزئبق). ان الحياة في حقول الذهب تلك ليست حياة مريحة، فلا وجود للكهرباء او الهاتف، والاتصال يتم بواسطة اجهزة اتصال لاسلكية، والخيم توفر المأوى الوحيد والصلة الوحيدة بالعالم الخارجي هي من خلال القارب. ولاوجود للمال في الغابة ابدا. والوسيلة الوحيدة للتبادل والمقايضة هي الذهب، وبالذهب تستطيع ان تقايض اي شيء وتحصل على ما تريد في البلدان القريبة من نهر ماروني. ضرار عمير