جلست لأكتب هذا المقال لكي أضع أمام القاريء بعض الحقائق العلمية وتمنيت من كل قلبي ان تجد هذه الحقائق صدى لدى القاريء حتى تعم الفائدة وتنحصر المضرة. لقد رجعت بالذاكرة الى الوراء الى ما يقرب من عشرين عاما أخذتني الذاكرة الى أيام الدراسة في كلية الطب لأتذكر منظرا لم تستطع الأيام ان تنسيني اياه، لقد طبع في الذاكرة في أول صفحاتها أمام عيني، ولذا كنت دائم التأمل فيما رأيت، لقد رأيت يومها رئة لشخص لقي حتفه متأثرا بسرطان الرئة وكان هذا الشخص من الذين يدخنون بشراهة، كانت رئته تبدو عليلة سوداء وكأنها كيس قد امتلأ عن آخره برماد الحريق، يومها سألت نفسي: «هل لو رأى أحد المدخنين هذا المنظر أسوف يستمر في التدخين؟ أم سوف يكون له موقف آخر». لقد خرجت علينا احدى الدراسات بحقيقة علمية قد تكون غريبة على مسامع الكثيرين منا!.. تقول الدراسة: «إن الاطفال الذين يتعرضون للتدخين السلبي من قبل آبائهم وأمهاتهم هم أكثر عرضة من غيرهم للاصابة بتسوس الاسنان». ويعتبر الدكتور أندرو آلجين طبيب الاطفال والباحث بجامعة روتشيستر بالولايات المتحدة ان الدراسة هي بمثابة جرس انذار لتنبيه الوالدين الى خطورة التدخين على صحة الابناء. انه لا يخفى على أحد الاضرار الكثيرة التي قد تطول المدخنين ومن بصحبتهم ايضا ـ وهذا الأخير هو ما يعرف بالتدخين السلبي ـ لقد قام فريق من أطباء الاسنان في أوروبا بعدة أبحاث وقد توصلوا الى ان هناك علاقة قوية بين التدخين وبين كثير من أمراض الفم واللثة، هذا بالاضافة الى ما هو مثبت علميا ان التدخين له علاقة مباشرة بسرطان الفم ناهيك ما يسببه من تشوه في لون الأسنان والحشوات وتغير رائحة الفم وضعف حاستي الشم والتذوق على حد سواء لدى المدخنين، ونعود مرة اخرى الى الدراسة الامريكية التي تؤكد انه كلما ازدادت فترة تعرض الاطفلال للتدخين كلما ازدادت الاصابة بتسوس الاسنان وقد لوحظ من خلال الدراسة ان نسبة الاصابة للأسنان اللبنية هي اكثر منها للأسنان الدائمة، وقد يرجع ذلك الى ان فترة تواجد الاطفال بالقرب من آبائهم وأمهاتهم تكون أطول في سن ما قبل المدرسة بالمقارنة بفترة ما بعد المدرسة، حيث تتاح الفرصة للطفل للبقاء لفترات طويلة بعيدا عن المنزل بما فيه من آثار للتدخين ويكون بذلك في منأى عما يعرف بالتدخين السلبي، أما الاطفال المتواجدين داخل جدران المنزل فهم عرضة للتدخين السلبي أكثر من غيرهم، إذ ما وجد من يدخن بالقرب منهم، وليس خفيا على أذهاننا ان الفترة المسائية التي غالبا ما يجتمع فيها كل أفراد العائلة معا داخل المنزل، وهي ليست بالوقت القليل حيث يتعرض أولادنا لخطورة التدخين السلبي وذلك في وجود من يدخن بجوارهم. لقد وصف التدخين بأنه صديق ضار.. قد يؤنس وحدتك، ويشاركك همومك ومشاكلك ولكنه قد يأخذك بعيدا عمن تحب، إن هذا المقال لم يفرد لمهاجمة من يدخن أو لاظهار الآثار السلبية للتدخين على الصحة العامة فهناك من هم أكفأ مني للتحدث عما قد يسببه التدخين من أمراض القلب والشرايين وايضا أمراض الجهاز التنفسي، ولكننا هنا بصدد حقيقة مثبتة هي انه يوما بعد يوم يضاف الى صحيفة الاتهامات في حق التدخين اتهام جديد تدعم صحته دراسة علمية، وهذه المرة تطول الآثار السلبية للتدخين أسنان أطفالنا وقد تحرمهم من التمتع بطفولة هانئة وتدفع بهم الى دوامة الألم والمعاناة حيث تكثر في أسنانهم الفجوات الناجمة عن التسوس ومعها تبدأ الآلام وتزداد حتى تصل ببعض الاطفال في بعض الاحيان بأن يفقد الطفل المقدرة على تناول طعامه كاملا وبصورة صحيحة مما يؤثر بالسلب على نموه نمواً طبيعياً، ان الفقدان المبكر للأسنان الأمامية عند الطفل قد يؤثر على مخارج الألفاظ، مما يؤدي الى تلعثم الطفل عند الكلام، هذا بالاضافة الى تشوه منظر الاسنان ولونها قد يؤثر كل هذا على نفسية الطفل بصورة سلبية وبالأخص عندما يبدأ الطفل في الخروج بعيدا عن المنزل للتعامل مع الآخرين وذلك في فترة تواجده برفقة زملائه في المدرسة. لقد تعددت نواقيس الخطر التي تحذر من أضرار التدخين، وقد يكون لهذه الحقيقة العلمية الجديدة أثر ايجابي يحفز كل من يدخن على ان يقلع عن التدخين الذي لا يضر بصحته فقط ولكن ايضا بصحة من نحب ونرى المستقبل في عيونهم ونسعى جاهدين لتوفير حياة كريمة لهم... ألا وهم أولادنا. د. زكريا رزق _ اخصائي طب وجراحة الفم والأسنان