أجب على هذا السؤال بصدق: ما مدى شعورك بالرضا عن حياتك؟ وهل انت سعيد بعملك ومنزلك وعلاقاتك ومظهرك، أم انك تشعر بأنك لم تحقق بعد ما تطمح اليه؟ هل تتمنى احداكن ان تمتلك قوام جيري هاليويل الجديد وثروة فيكتوريا وديفيد بكهام؟ وهل يحلم أحدكم بأن يضفي مهندس الديكور المعروف نيكي هاسلام لمساته على عش الزوجية؟ إذا كان الأمر هكذا فإنك لست الوحيد في ذلك، فعلى حسب دراسة أجراها علماء النفس الاكلينيكيين بجامعة يورك فإن واحدا من بين كل خمسة أشخاص لديه هوس بامتلاك المزيد من المقتنيات عما يمتلكه، والعقدة التي يسميها بعض علماء النفس «اكسيسوركزيا» أو الهوس بالكمال والكماليات. فبفضل زيادة معدلات دخل الفرد، وصور الوجوه الخالية من العيوب والاجسام المثالية التي تنشر في المجلات، والترويج للمنازل الفخمة ذات الأطرزة الانيقة والسيارات باهظة السعر والازياء الفاخرة المسايرة للموضة كاكسسوارات أو مقتنيات يتعين على الشخص امتلاكها كي تكتمل سعادته بات عدد متزايد من الناس يشعر بالعجز عن مواكبة المعايير العالية في المجتمع. ولكن اثناء نضالهم لتحقيق الكمال في جميع أوجه حياتهم يخاطر البعض من الناس بامراض أنفسهم. والبحوث التي أجريت على هذه الظاهرة بجامعة يورك تظهر ان الانشغال بالكمال يؤدي الى اضطرابات عاطفية ونفسية عميقة. وقد توصل الدكتور ديريك روجر وزملاؤه بفريق البحث ان عددا متزايدا من الناس يعاني من الضغوط الحياتية ويعيشون حياة بائسة لأنهم لا يشعرون بتقديرهم لذاتهم أو اعتزازهم بانجازاتهم. وشرح الدكتور روجر بالقول ان العالم يتغير وان الناس اليوم يشعرون انهم يرزحون تحت ضغوط مجتمعية للظهور بمظهر حسن، ولتحقيق النجاح وتجسيد صورة مثالية وتقديمها أمام العالم. ويضيف روجر ان ما يغذي هذه المثالية أو الرغبة في تحقيق الكمال هو عدم وجود قناعة في قرارة أنفس الناس في هذا العصر والاعتقاد بأن ما من شيء هو جيد بدرجة كافية. وما لا يدركه الناس على حد قول روجر هو ان الكثير من هذه الضغوط تأتي من قوى داخلية ولا وجود لها على الاطلاق. وقد وجد ان المهووسين بالكمال والكماليات يشتركون بسمات شخصية متشابهة فهم يميلون للحرص على النظام والترتيب والنظافة في مظهرهم وعملهم ويضغطون على أنفسهم والاشخاص الذين يعملون معهم كثيرا ويبدون أكثر ثقة بأنفسهم وانفتاحا على الناس وبالنسبة للآخرين فإنهم يبدون وكأنهم يمتلكون كل شيء ولكن في قرارة أنفسهم لا يشعرون بأنهم بذلوا جهدا كافيا للنجاح وميلهم لتحقيق الكمال يجعلهم يظنون ان هناك وسيلة سليمة وخاطئة لفعل الاشياء. وفي العمل فإنهم غالبا ما يقلقون من انهم سيتخذون قرارا خاطئا ما يجعلهم يفشلون في الوصول الى جزم أو قرار ما، كما انهم يواجهون صعوبة في تكليف أشخاص آخرين بمهمات مفضلين ترك الاعباء كلها على عاتقهم. والزيادة الحالية في عدد الاشخاص الذين يعانون من التوتر جراء سعيهم وراء الكمال لها صلة بالتقدم في وسائل التكنولوجيا. فقد بات سهلا الآن توفير صور وجوه مثالية الى حد الكمال بفضل التكنولوجيا بخلاف ما كان يتوفر للأجيال السابقة، والتكنولوجيا على حد قول روجر تساعد في دمج الواقع بالخيال. فعبر التلفزيون والانترنت والمجلات والأفلام فإننا غالبا ما نرى مثاليات صعبة التحقيق ما يعني اننا يمكن بسهولة ان نفقد ادراكنا لما هو طبيعي وما هو غير طبيعي، فالبرامج التي تغذي الاعتقاد بأن منازلنا وحدائقنا يمكن دائما ان تتحسن يعتقد ايضا انها تضع معايير مستحيلة. بيد انه يجدر على حسب قول روجر تذكر ان الدافع للنجاح هو بطريقة ما شيء صحي، فالاشخاص الذين يمتلكون الوعي الكافي ويحددون لأنفسهم أهدافا واقعية هم مهووسون وواقعيون ومتكيفون مع ظروفهم، لكن امتلاك توقعات عالية يمكن ان يصبح مشكلة اذا ما تسبب بخوف من الوقوع في الخطأ أو تسبب بشعورك بالقلق والانزعاج اذا لم تتمكن من تحقيقه. وبالنسبة لمن يعانون من هذا النوع من الهوس فإن الثمن قد يكون باهظا فهو قد ينتج عن مشاعر احباط وانعدام الاحساس بتقدير الذات والافتقار للثقة بالنفس، ولكن على المدى الطويل فإن ذلك قد يتحول الى اكتئاب، وفي بعض الأحيان الى خلل في انماط الأكل. وينصح روجر أصحاب المشكلة بمحاولة فهم وتقبل أنفسهم كما هي على حقيقتها وادراك ان الشخص لا يحدده ملبسه أو جسمه أو عمله أو مكانته، ولذا لا ينبغي ان يضع الشخص معايير غير حقيقية يسعى لتطبيقها في حياته لأن الجري وراء الكماليات سيجعله يعيش في نهاية الأمر حياة بائسة كونه لن يكون أبدا مثاليا أو كاملا بالدرجة الكافية.