في غياب لغات مكتوبة، تحولت الرسومات التزيينية على الملابس التراثية لقبائل سكان تايوان الأصليين لتكون واحدة من أهم وسائل الحفاظ على تقاليدهم وتراثهم وتناقله عبر الأجيال وبعد تجاهل هذا الموروث الشعبي طوال جيل مضى، تمكنت الجهود المبذولة لاحياء الحرف القديمة من إعطاء ثمارها المرجوة. على السهول الغربية من تايوان وبين قمم سلسلة الجبال الوسطى وعلى الساحل الشرقي حيث تقترب سفوح الجبال من البحر، ارسى سكان تايوان الاصليون من ذوي الاصول الاسترالية والاندونيسية دعائم مجتمعاتهم القبلية التي نعمت بدفء الطبيعة طويلاً. ولهؤلاء علاقة خاصة بالطبيعة فهم يعتقدون ان الريح تهب ملونة، وان الدخان هو رسائل منها، وان الشمس تلون السماء مساء لتدفع بهم نحو بيوتهم، قبل ان تمضي هي لتستريح. ورأى هؤلاء في ارواح اسلافهم حراساً لهم يراقبونهم أبداً. كان الرجال من أبناء السكان الأصليين يطمحون لان يصبحوا محاربين لاعتقادهم بأن الشجاعة والجرأة تمنحان الرجل مهابة وفخراً. اما النسوة الملتزمات بالعمل في البيوت فتمتعن بمهارة فائقة في النسيج والحياكة وأعمال الابرة. لكن أياً من هذه القبائل لم تتمكن من تطوير كتابة تسجل لها موروثها الشعبي وتحفظه. وهكذا كان الأدب الشفوي التقليدي من غناء وموسيقى وحكايا شعبية هو السبيل الوحيد لتناقل التراث، الى جانب تصاميم ملابسهم المصنوعة يدوياً. وأساطيرهم الشعبية، في هذا السياق، توفر لهم جوهر معتقداتهم، وبالتالي الرموز التصميمية في زخارفهم. فإلى جانب الملابس اليومية العادية، كانت النسوة يصنعن ملابس مزخرفة بأشغال الابرة تصور حكايا شعوبهم القديمة، سواء للملابس او لأغطية الرأس. وبدون ان يدركن ذلك حولت النسوة عملهن هذا الى وسيط مهم جدا يحفظ موروث ثقافة السكان الأصليين. وهذا التراث استمر حتى مع استخدامهن لمواد جديدة في صناعة الملابس. فمع تقدم الزراعة تعلمت هذه القبائل كيف تستخدم القطن والكتان بدلا من لحاء الأشجار وجلود الحيوانات. ورغم ان كل قبيلة طورت رموزها التصميمية الخاصة لتزيين الملابس، الا انها تشترك كلها في البساطة الهندسية والانتظام في تصاميم تتميز بالألوان الحارة، مثل الأحمر والأصفر والأسود والأبيض. وهذه العوامل المشتركة في الملابس تبرز التأثيرات التي كانوا يمارسونها على بعضهم البعض نتيجة التقارب الجغرافي في أماكن معيشتهم. ويبلغ عدد هذه القبائل عشر قبائل، هي آمي وآتايال وبونان وبايوان وبويوما وروكاي وسايسيات وثاو وتثو ويامي تعرف كلها باسم واحد يجمعها هو بينجبو شكلت كل منها مجتمعاً متكاملاً ومتمايزاً وأوجدت تنوعاً زراعياً حضرياً على جزيرة لا تزيد مساحتها على 36 ألف كيلومتر مربع. وكل قبيلة كانت تقيم شعائرها وأعيادها الخاصة في أوقات متباينة خلال العام. وفي أيام الأعياد يخرج كل أبناء القبيلة بملابسهم التقليدية ليغنوا ويرقصوا، ويكرموا أرواح اسلافهم او يحتفلوا بموسم الحصاد. وبين هذه القبائل كانت قبيلتا روكاي وبايوان فقط هما اللتان شهدتا ظهور نظام الطبقات الاجتماعي، الذي يميز بين طبقة من النبلاء وأخرى من العامة، وهو ما أدى بدوره لظهور نظام اكثر تعقيدا فيما يخص الازياء والزينة المرافقة فنسوة البايوان كان لديهن متسع من الوقت اكبر مما لدى نسوة العامة ليصقلن مهاراتهن في اشغال الابرة واصبحت اعمالهن علامات تميز طبقتهن الاجتماعية. وتقول الاسطورة ان من أسس فن أشغال الابرة بين هؤلاء القوم كان في الواقع أفعى سامة حادة الانف ذات شكل بشري ولدت داخل اناء فخاري من قطرات الدموع التي كانت تسقط من عين الشمس. وهذه الاسطورة توفر لأهل بايوان اسبابهم لاحترام الأفاعي باعتبارها من حماتهم، كما أنهم يصورون هذه القصة كثيراً في أشغالهم على ملابسهم، كما ان لسان الافعى ذا المئة شعبة والأشكال الماسية على جلدها هي من الرموز الرائجة في زخارف الملابس. ومن بين الرموز الاخرى اصداف البحر التي كانت تمثل المال والثروة. اما شعب اتايال على سبيل المثال فكان يرى في الافعى صديقاً له وليس حامياً. والأشكال الماسية على ملابسهم هي ذات مصدر مختلف حيث تعتبر رمزاً لعيون ارواح الاباء. كما أنهم يرسمون شرائط على وجوههم بحيث تستطيع ارواح الاباء تمييزهم عن بعضهم لتخبرهم متى ستستقبلهم على جسر قوس قزح في السماء ولهذا تميل زخارف ازيائهم للتركيز على الشرائط «من قوس قزح» الى جانب الزخارف الخرزية. اما قبيلة بويوما فتفضل الغرز المتصالبة الى جانب الشكل الماسي متعدد الطبقات. فهم يرون ان من المفضل ان يبرز اللباس عمر مرتديه باعتبار ان للعمر دورا مهما في المكانة الاجتماعية. اما الشبان فكان من المفترض بهم العيش البسيط واللباس البسيط غير المزخرف الى ان يبلغوا عمر الزواج. جلال الخليل