المشهد على ضفتي النيل في القاهرة يمتشق فتنة تأسر النفس على قدر ما يضج بالحياة. البنايات المشرئبة دونما اتساق على جانبي المجرى المائي تنسج جدارية نيويوركية منمنمة من حيث الشهوق والكثافة. ايقاع الحركة حول النيل وعبره وعلى الجسور المتوازية يفرز احساساً دامغاً بلهث الدنيا عند خاصرة أم الدنيا. ذلك ايقاع لا يعرف السكون مطلقا. ربما يخبو او يهدأ لكنه لا يهبط الى درجة الخمود. في الليل ترتفع حرارة فتنة الجدارية عندما تتدغم مع الماء فيستحيل الفصل بين النهر والتراب بفعل الاضواء المتسللة عبر النوافذ المعلقة التي تنعكس على سطح النيل ومع انتشار أسراب من البشر كالحمائم التي تبترد عند الشط. ايقاع الليل يغاير حركة النهار في كل المدن غير انه في القاهرة يكتسب نكهة متميزة خاصة في تلك المنطقة على النيل. الاندغام بين اللوحة البرية والماء يصبغ على المشهد البانورامي عمقاً في الجغرافيا ذلك ان البنايات تزداد طولا كأنما تضرب بجذورها في قاع النيل. ثمة فصول في المشهد تكرس تداخل الجغرافيا والتاريخ. ثمة فصل قاهري متميز على النيل قوامه شباب من الجنسين يغزلون على الضفتين مسلسلاً من حكايا الحب والغرام، اثنان اثنان مشاة متشابكي الأيدي أو متخاصرين، جلوساً أحياناً في الفة مبهمة متناثرين بين الأشجار. ذلك مشهد قاهري صرف يصعب تحديد بداياته ولا أحد يستطيع كتابة نهاياته. مثلما لا يبدو اولئك الشبان العشاق عابئين بما ومن حولهم يغض الاخرون الطرف عنهم كأنما هناك عقد اجتماعي محترم من قبل الطرفين بحيث لا ينتهك الشباب اعراف المجتمع وتقاليده مقابل التمتع بخصوصية علاقة حب معلن على كورنيش النيل. ورغم ان بعضا من مظاهر ممارسات الشباب قد تجنح للاثارة الحسية بنظرة مجتمع متحفظ اذ تبلغ تبادل القبل الا ان المشهد برمته يظل محاطاً بقبول المجتمع نفسه. حتى حين بلغ المد الاصولي مدى الاغتيال لم يجنح المتطرفون الى تصفية هذا المشهد أو اغتياله. للمفارقة يوجد بين الشابات المختليات بأصدقائهن على كورنيش النيل فتيات محجبات. على قدر ما يتوغل ذلك المشهد في التاريخ القاهري فانه ينم عن ثوابت خاصة تتمكن من المجتمع المصري اذ وراء ذلك المشهد قضايا اقتصادية واجتماعية متشعبة. معظم اولئك الشبان ـ ان لم يكن كلهم ـ ينحدرون من بيئة شعبية متواضعة تضيق بها مساحات السكن وتتكدس في ازقتها كثافة بشرية. فهم اذ يهبطون النيل انما يبحثون عن متنفس بعيد عن بؤر الاختنافات اليومية في الحارات التي يعج بها بطن القاهرة المهولة. مما يحبب في ذلك المتنفس الطبيعي ان الوصول اليه والاستمتاع فيه لا يكلف سوى شيء زهيد. الإرث الثقافي المصري يموج بشوق تاريخي خاص للنيل وهو شوق يضطرم اكثر في مقتبل العمر الذي يجيش برومانسية طاغية يزيدها النهر خصوبة وتفتحا. الشبان الذين يردون نيل القاهرة بدء من الأصيل المبكر لا يبحثون فقط عن مشهد الماء والخضرة والهواء الطلق اذ للجدارية النيويوركية على الضفتين سحرها ولاطارها الاجتماعي ألقة وكلاهما يشعلان التوق الرومانسي. اذا كان تسكع الشبان العشاق على النيل يحتوي على ضرب من كسر الاطار التقليدي والتسلل من وراء الاسرة والعشيرة احيانا فانه ليس تمرداً على الواقع وانما محاولة لتجميل المستقبل. ليس الهواء وحده على ضفتي النيل الذي يتسم بالطلاقة. البيئة الاجتماعية للمنطقة مشبعة بطلاقة عالية من الوعي. ذلك يشكل اغراء مثيراً للشبان في مقتبل العمر. الشريحة الاجتماعية التي تشكل محيطاً بشرياً لضفتي النيل في القاهرة تتمتع بمستوى راق من الحياة والوعي. الشقة على النيل تمثل امتيازاً قاهرياً رفيعاً. بعض المناطق تستند الى تراث ارستقراطي عريق كما هي «جاردن سيتي». ثمة مؤسسات تبرز هنا تعتبر بؤراً للاشعاع الحضاري كالجامعة، ماسبيرو، مبنى الخارجية ودار الاوبرا بعد انتقالها الى ارض معرض القاهرة القديم. الذين ينتمون لمثل هذه المؤسسات هم ضمن خلاصة المجتمع ومن ثم فلهم بريق. التسكع بين هولاء يمنح شعوراً بالغبطة ولو كان تسكعاً مؤقتاً وكاذباً من باب الاماني. في مقتبل العمر يكون الطموح جموحاً والخيال بلا حدود. في شجن الرومانسية يتوقد الطموح والخيال. هذه منطقة تضج بحركة السياح اذ تضم سلسلة من الفنادق والمتنزهات البرية والمائية. تعدد السحنات والألسن يضفي الاحساس بكسر الرتابة. حتى المصريين الذين يرتادون تلك المنطقة السياحية يستوعبون وجود اولئك الشبان في غرامياتهم. ربما انحسر ايقاع اولئك الشبان قليلاً على ضفتي النيل غير ان الظاهرة لا تزال موجودة. ليس وراء ذلك الفتور تعديات من قبل الاستنكار أو التعدي على خصوصيتهم. فلا تزال حركتهم كما كانت تحت عيون المجتمع والأمن. هناك دخلاء أفسدوا براءة المشهد الرومانسي على الجميع. حركة الشبان العشاق على ضفتي النيل أفرزت سوقاً خاصاً بها غير ان الباعة الجوالين الذين استثمروا الظاهرة لم يلتزموا الوفاء تجاه اصحاب المبادرة فعمدوا الى تخريب المشهد بممارسات شوهاء بعضها ناجم عن شره غبي في الاستغلال وبعض عن فساد في الذوق. تلك الممارسات جعلت الشبان يتهيبون ارتياد المتنفس على السليقة كما كان. الشبان انفسهم ساهموا في كبح الظاهرة اذ خبت لديهم حاسة الرومانسية في عالم تتمكن منه المصالح المادية. ومع ذلك لا يفقد الماء والخضرة والهواء الطلق الجاذبية ولا يزال ايقاع العشاق على النهر يتردد.