توقفت الالاف من النساء عن استخدام مضادات التعرق بعد انتشار رسائل على البريد الالكتروني تزعم انه يسبب اوراما سرطانية. فهل تسبب مزيلات الرائحة ومضادات العرق فعلا سرطان الثدي؟ في الواقع ان 11% من النساء البريطانيات مقتنعات بذلك وتوقفن نتيجة لاقتناعهن عن استخدام هذه المستحضرات وذلك وفقا لمسح بريطاني حديث اجرى حول موضوع سرطان الثدي. ووجهة نظر هؤلاء النساء اعتدمت على رسالة الكترونية غير منسوبة لاحد او لمصدر بعثها شخص او جهه غير مسئولة منذ اكثر من عامين يقول فيها ان مزيلات الروائح ومضادات العرق يمكن ان تسبب سرطان الثدي ما دفع المئات من النساء المفزوعات الى الاتصال بالجمعيات المعنية بمرض سرطان الثدي والشركات المصنعة. ومع ذلك فالدكتورة فيليبا داربر اخصائية الكيمياء الحيوية بجامعة ريدنج البريطانية تؤمن ان الرسالة الالكترونية صادقة الى حد ما، فعلى مدى الاعوام الستة الماضية تفترض داربر ان مضادات العرق هي السبب الرئيسي لسرطان الثدي. وتستدل الدكتورة بتجارب في المختبر وبيانات محفوظة في سجلات عامة حول الموقع المحدد للاورام في الثدي. بيد ان ما تجادل به الدكتورة لم يخضع لتدقيق او امعان نظر. وبين العامين 1994 و 1996 اختبرت داربر مستحضرات الرول ـ أون المضادة للعرق على خطوط خلايا تم تنميتها من اورام سرطانية وبعد تخفيفها لجزء واحد في عشرة ملايين ادت ثلاثة من كل سبعة مضادات تعرق الى نمو بعض خلايا الاورام فقد بدا وكأن لها تأثيرا استروجينيا وخلصت داربر الى ان ذلك ناتج عن مادة البارابن الحافظة والمستخدمة بشكل شائع في مستحضرات التجميل والاغذية والمشروبات والتي ثبت في جامعة برونيل في العام 1998 ان لها تأثيرا استروجينيا ضعيفا عند حقنها اسفل جلد الحيوان. والبحوث التي اجرتها داربر حول التأثيرات الاستروجينية للبارابن ستنشر خلال الشهر الجاري في عدد من المجلات الطبية. ونظرية داربر تشير الى ان املاح الالمونيوم الموجودة في مضادات العرق تتلف الـ دي. ان. ايه او الحامض الريبي النووي لخلايا الثدي وان مادة البارابن التي تختزن في الانسجة الدهنية للثدي تجعل الخلايا التالفة تنمو. ثم حصلت داربر بعد ذلك على نسيج من ورم سرطاني في الثدي واكتشفت انه يحتوي على البارابن ما يسند نظريتها لولا وجود عيبين: الاول هو ان البارابن لا يستخدم في مستحضرات الرش او علب السبراي المضغوطة التي تشكل حوالي 75% من سوق مستحضرات مكافحة العرق في بريطانيا. والى جانب ذلك فان مادة البارابن الحافظة لم تستخدم اطلاقا من قبل شركة ليفر فابرجيه التي تمتلك حوالي 58% من اجمالي انواع مستحضرات ازالة الرائحة ومنع التعرق في بريطانيا والذي تشتمل على مستحضرات شور ودوف وفازلين انتنسيف وكير ولينكس وامبلس، ولا من قبل شركة كولجيت بالموليف التي تمتلك 16% من سوق المنتجات النسائية وتحديدا متجات سوفت وجنتل ولا من قبل شركة بريستول مايرز سكويب التي تمتلك 13% من سوق مستحضرات الرول اون «مام». وتأكد ذلك خلال مسح اجرته جمعية مستحضرات التجميل والعطور اظهر ان 96% على الاقل من منتجات ازالة الرائحة او منع العرق المباعة في بريطانيا هي خالية من البارابن. وحتى في المنتجات التي يدخل البارابن في تركيبها فان التركيز يكون ضئيلا ولا يتجاوز 1% في حين ان اقصى نسبة مسموح بها هي 8%. ويبدو ان المستحضرات التي حصلت عليها الدكتورة داربر على نتيجة ايجابية والتي لم تعد تمتلك سجلات لتحديد اسمائها التجارية بعد انتهائها من بحوثها، هي ضمن مجموعة من المنتجات الاقل مبيعا والتي تستخدم فيها نسبة اعلى من البارابن. البروفيسور جوليان بيتو اخصائي الامراض الوبائية بمعهد البحث في امراض السرطان يقول ان شيئا بمثل هذه الهامشية لا يمكن ان يؤدي الى تحول على مستوى البلاد في انماط السرطان فليست هناك ادلة على ان مزيلات الرائحة وموانع العرق تسببت بأية حالة وفاة. والزيادة في الاورام التي تنمو في منطقة الربع الخارجي والعلوي من الثدي على حد قوله قد تكون لها علاقة على الارجح بتطبيق فحص الثدي في العام 1987 على النساء مابين سن الخمسين والرابعة والستين وهي الفئة التي تحدث فيها زيادة بنسبة 60% في معدلات الاصابة بسرطان الثدي والذي ادى الى انخفاض كبير في معدلات الوفيات بين النساء. اما بالنسبة للعيب او الثغرة الثانية في بحوث داربر فهي تتعلق بالبارابن على حسب قول جوليان بيتو فحتى لو كان موجودا بكميات فان امكانية تخزينه في هيئة سليمة في انسجة الثدي كما ذكرت داربر هي غير محتملة، فالتجارب التي اجريت على البارابن اظهرت انه بصفة عامة يتفتت سريعا ويخرج من الجسم في حين ان ماتؤمن به داربر ان تراكم البارابن على الجلد قد يغير من النموذج الفسيولوجي للخلايا هو امر لم تتمكن من ايجاد دليل عليه كما يقول. ولذا فان بيتو يرى ان البحوث التي اجرتها داربر على مزيلات الرائحة ليست دقيقة وشاملة. والدليل الثاني الذي تستدل عليه داربر هو احصائي فهي ترجع للسجلات الزيادة في اعداد حالات الاصابة بمرض سرطان الثدي في العالم الغربي خلال العقود القليلة الماضية من الزمن. ففي العام 1997 كانت هناك 33100 حالة اصابة جديدة بين النساء في بريطانيا وويلز بالمقارنة بـ 18758 في العام 1971 اي ان واحدة من كل عشر نساء الآن يمكن ان تتوقع اصابتهن بالمرض. لكن هذه الزيادة وفقا لبيتو يفسرها ادخال فحص الثدي للنساء مابين سن الخمسين والرابعة والستين في العام 1987 ما يعني وجود العديد من الحالات التي لم يتم تسجيلها في السابق في غياب هذا النوع من الفحوصات، الى جانب ان السرطان هو مرض شيخوخة على حد قوله ويعكس السن المتقدمة للشعب البريطاني. وبحوث داربر ركزت على مكان الاورام في الثدي والاحصائيات تظهر ان الاورام اكثر شيوعا في الثدي الايسر منه في الايمن حيث تصل النسبة الى 11 او 12 حالة لكل حالة واحدة في الايمن. واغلبية الناس هم ممن يستخدمون يدهم اليمنى اكثر من اليسرى على حسب قول داربر ما تعني انهم يمكن ان يكثروا من استخدام مستحضر العرق بيدهم اليمنى او بالاحرى تكون يدهم ثقيلة اثناء وضع المستحضر باليد اليمنى. بيد ان جيرالد جوي اخصائي سرطان الثدي بمستشفى مارسدن الملكي في لندن يقول ان هذا التفاوت في النسب بين معدل الاصابة بالثدي الايمن منه في الايسر اكتشف في عقدي الاربعينيات والخمسينيات اي حينما كانت منتجات ما تحت الابط اقل استخداما او شيوعا. عدد الاورام ومثل هذا التفاوت لم تظهره الدراسات المعاصرة على حد قوله. والمؤشر الآخر وهو عدد الاورام التي تظهر في الربع العلوي الخارجي من الثدي الى الجزء الاقرب للابط، اعتمدت فيه على تحليل احصائيات اجريت في بريطانيا وويلز من قبل مكتب الاحصائيات الوطني وكشفت ان 475% من الاورام السرطانية التي ظهرت بين النساء في العام 1979 موجودة في هذا الجزء من الثدي. وبحلول العام 1992 زادت النسبة الى 54% لكن الدكتورة رولزالند جفن ويلسون اخصائية الاشعة ورئيسة وحدة فحص سرطان الثدي في لندن تقول ان سرطان الثدي يبدأ في الخلايا الظهارية التي تصطف بمحاذاة القنوات والغدد والاجزاء المنتجة للحليب في الثدي. ولدى النساء الشابات يتألف الثدي كله من انسجة غددية كثيفة وكلما تقدمت المرأة في السن فان النسيج الغددي يتراجع من الجانب الوسط المحاذي لعظمة الثدي باتجاه منطقة الربع الخارجي العلوي وتحل محله انسجة دهنية اي انه اشبه بمد وجزر يحدث بمعدلات مختلفة لدى النساء بمختلف مراحل العمر، وعندما يحدث ذلك على حسب قول الدكتورة ويلسون فان القنوات الموزعة عبر الثدي تصبح اصغر حجما، وفي الانسجة الدهنية تكون الخلايا الظهارية اصغر حجما وأقل عددا. ولذا فان ظهور معظم الاورام السرطانية في منطقة الربع العلوي الخارجي من الثدي حيث تتواجد معظم الانسجة يبدو على حسب قولها امرا منطقيا. وتضيف ويلسون بانها لم تنتبه للزيادة في معدل ظهور الأورام في منطقة الربع العلوي الخارجي من الثدي التي حدثت عبر عقود الزمن والتي اشارت اليها الدكتورة داربر ولم تلحظها. اذن هل تتسبب مضادات العرق ومزيلات الرائحة بسرطان الثدي؟ ان مؤشرات عدم تسببها بذلك قوية ولكن هناك زيادة في معدل الاصابة بالاورام في منطقة الربع الخارجي والعلوي للثدي. تؤمن داربر بضرورة اجراء دراسة اوسع واشمل لايجاد حل اخير لهذا السؤال. وتتساءل بالقول: هل هناك اختلاف بين ما تستعمله مريضات سرطان الثدي وما تستعمله النساء الاخريات؟ واذا ما كان هناك اختلاف دعونا نكشفه ونظهره اما اذا لم يكن هناك اختلاف فدعونا نتأكد من هذه الحقيقة لنترك الامر جانبا ونواصل حياتنا