لم يسبق لأحد قط أن رأى ثقباً اسود، ومع ذلك وبرغم الافتقار للأدلة المباشرة فان معظم العلماء يعتقدون أن أي نجم عملاق في نهاية حياته يمكن ان ينفجر داخلياً، مشكلاً جسماً كثيفاً للغاية بحيث انه حتى الضوء ـ لا يمكن ان يفلت من جاذبيته. لكن هؤلاء العلماء ربما يضطرون لتغيير آرائهم قريباً، اذ يقول باحثان امريكيان الان ان علماء الفيزياء غضوا الطرف عن مسائل لا تليق بالعلماء تشوب فهم الثقوب السوداء. ويشير الباحثان انهما بالتصدي لهذه المسائل اكتشفا مصيراً بديلاً للنجوم المحتضرة. ويعتقد اميل موتولا من مختبر لوس الاموس الوطني بولاية نيومكسيكو وباول مازور من جامعة ساوث كارولينا في كولومبيا ان النجم المنهار ربما يتحول الى فقاعة غريبة الأطوار مكونة من مادة فائقة الكثافة، يدعوانها بـ «النجم الجاذبي». ويوضح موتولا ومازور ان النجوم الجاذبة عبارة عن قواقع باردة وكثيفة يدعمها فراغ مرن، غريب من الداخل، وقد تبدو تلك الأجسام مثل ثقوب سوداء، تنيرها المادة المتهاطلة عليها من الخارج فقط. يبدو هذا التعريف متوافقاً مع كل الدلائل الرصدية لوجود الثقوب السوداء. لكن حتى الان أظهر العلماء مشاعر متفاوتة حيال فكرة «النجوم الجاذبة»، وتتراوح احكامهم ما بين وصفها بالنظرية «الرائعة المتألقة» الى نبذها لكونها «غير محتملة» لكن المؤكد هو أن النجوم الجاذبة ستضرم من جديد نار الجدل التي اشتعلت في اوائل القرن التاسع عشر حول ما اذا كانت الثقوب السوداء حقيقة ام خيالاً جامحاً. تاريخ الفكرة يعود تاريخ فكرة الثقوب السوداء الى الحرب العالمية الأولى، حين استطاع عالم الفلك الالماني كارل شفارتسشيلد حل معادلات نظرية اينشتاين الجديدة الخاصة بالنسبية، بينما كان يخدم في صفوف الجيش على الجبهة الروسية. وأثبت شفارسشيلد ان «الزمكان» «الزمان المكاني بوصفه بعداً رابعاً» حول أي نجم ضخم لابد ان يكون منحنياً. واذا انضغط نجم كبير جداً الى حيز صغير جدا، فان منحنى الزمكان سيتخذ سبيلاً لولبياً خارجاً عن السيطرة. ستكون الجاذبية بقرب هذا الجسم قوية جدا لدرجة ان لا شيء ـ حتى الفوتونات الضوئية ـ يمكن ان يفلت من قبضته. معظم الفيزيائيين في ذلك العصر، بمن فيهم اينشتاين، اعتبروا مثل تلك الاجسام، التي اطلق عليها اسم «ثقوب سوداء» مفرطة في العنف والخيال لدرجة انها لا يمكن ان توجد في الحقيقة. وذهب اينشتاين الى القول ان الجدل لا يتعدى كونه نظرياً على اي حال، لان النجوم لا تتقلص ابداً الى هذا الحد. لكن العلماء اقتنعوا تدريجياً انه بامكان النجوم مثلاً ان تتقلص الى ذلك الحد. اذا كان النجم ضخماً، فانه ينفجر متصدعاً في انفجار «المستسعر الاعظم» في نهاية حياته ويبقى بداخله قلب مركزي وزنه ضعفا وزن الشمس، وليس هناك قوة معروفة يمكن ان تحول دون انضغاطه بفعل الجاذبية حتى يصبح مجرد نقطة. والنتيجة هي شيء متفرد، جاذبيته مطلقة، غير محدودة، وتتعطل امامه قوانين الفيزياء المعروفة، ان جاذبية ذلك الشيء المتفردة يفترض ان تكون قوية جداً لدرجة انها ستتخفى في «أفق حدثي» يكون عبارة عن تخم حدودي لا تستطيع المادة او الضوء الخروج منه. لقد اطلقت فكرة الثقوب السوداء الدراماتيكية العنان لخيالات العلماء والفنانين والكتاب على حد سواء، لكن احداً منهم لم ينقّب فعلاً عن جذور هذه الدراما. ويقول نايل كورينش، عالم الفيزياء الفلكية في جامعة مونتانا الامريكية: «حتى الان لا يوجد دليل رصدي مباشر على ان أياً من الاشياء التي يدعوها الفلكيون ثقوباً سوداء، لها «افاق حدثية» او «ألباب مركزية متفردة». ونحن نعلم ان هناك اجساماً مضغوطة تزيد عن وزن الشمس بملايين المرات تشغل مساحات كبيرة في قلوب المجرات. وهذه الثقوب السوداء المحتملة تكشف عن نفسها للفلكيين لان الغاز والغبار والنجوم الحارة التي تندفع بقوة وبمسار لولبي نحوها تصدر اشعة سينية متقدة. لكن ذلك لا يعني ان هناك ثقباً اسود عنيفاً في الجوار. ان ربما يكون هذا مجرد جسم ضخم جداً. تلاشى هذا الجدل منذ عقود لكن الى الان لا يوجد اي برهان صارم على وجود الثقوب السوداء. وقد عكف مازور وموتولا، منذ قرابة العقد من الزمان على التفكير في الجاذبية الكميّة.. وبدأا بدراسة طبيعة «التقلبات الكمية» في الفراغ والزمان وحتى في المجالات المغناطيسية. فالفضاء الخاوي على سبيل المثال ليس خاوياً في حقيقة الامر. اذ هناك جسيمات بالغة الصغر تستمر في الاندفاع بقوة من والى الكون طوال الوقت، وهو ما ينشأ عنه مادة مائعة متماوجة ومضطربة من شدة الحرارة. التقلبات الكمية واكتشف الباحثان ان التقلبات الكميّة في الحقول الكهرومغناطيسية التي تصور الأشياء بالغة الصغر مثل الفوتونات يمكن ان تؤثر على ظاهرة الجاذبية على المستوى الكبير ـ مثل الثقوب السوداء ـ وهكذا استنتج الباحثان منطقياً ان المنظرين الاوائل لفكرة الثقوب السوداء، بتجاهلهم للتأثيرات الكميّة «نسبة الى فيزياء الكم» اوجدوا منحنى زمكان غير واقعي. ويعتقد مازور وموتولا، انه عندما يوشك افق حدثي على التشكل حول نجم منهار، فان مجالاً جاذبياً قوياً جداً يشوه التقلبات الكمية، وهذا سينشيء فقاعة فائقة الكثافة محاطة بقوقعة كروية دقيقة مكونة من طاقة جاذبية، وهي عبارة عن نوع من الأمواج الصدمية الثابتة في الزمكان تستقر في موضع الافق الحدثي من الثقب الاسود المفترض. وتشكيل هذا المتكثف سيغيّر وبشكل جذري الزمكان داخل القوقعة، وهو ما سينجم عنه، باعتقاد الباحثين، ضغط باتجاه الخارج. ولهذا فان المادة المتهاطلة الى داخل القوقعة، ستعكس اتجاهها مندفعة الى الخارج مرة اخرى ومتصادمة مع جسيمات المادة الداخلة. ويقول موتولا ومازور انه خلافا للثقوب السوداء فان نظرية الجذوب الجاذبة لا تتعارض مع اية قوانين رياضية وفيزيائية. واذا استطاعت هذه الفقاعات ان تتجاوز كل الجدل العلمي وتضع علماء الفيزياء الكونية بشرعية وجودها، عندها ربما لن يكون اي حاجة لوجود الثقوب السوداء التي ربما تكون فعلاً محض خيال، واذا ثبت هذا لن تكون هذه المرة الاولى التي يعود فيها شبح اينشتاين ليدافع عن صحة افكاره القديمة.