ثمة علاقة فنية شبه سرية وسحرية تجمع بين حسن رجب واحمد الجسمي .. فكلاهما يحفر ابداعاته بآلة حادة على قبة المسرح او يشعلها مصابيح تتوهج على شاشة التلفزيون .. كلاهما مسكون بروح المغامرة ومرتبط بشعاع شارد بين الافلاك والنجوم! ما يربط الجسمي بحسن رجب القدرة على التألق والتأثير والحضور الطاغي في مساحة الامارات الفنية فهما من الاسماء المثيرة للجدل وبحكم التجارب التي تميزهما استطاع كل منهما ان يصنع له اسما من الصدف البحري يخبيء فيه ابداعاته الفنية التي تتنوع بين الاعداد والتأليف والتمثيل والاخراج وكذلك الانتاج ولذلك ظل كلاهما يهرب من الآخر .. لكنه يلاحقه مثل بندول الساعة خمسة عشر عاما او تزيد! في الدورة الحالية من مهرجان ايام الشارقة المسرحية يلتقى حسن رجب كمخرج والجسمي كممثل في نص طليعي تجريبي مفتوح على كل الاحتمالات بعنوان: آباء للبيع او للايجار من تأليف قاسم محمد ويشارك في البطولة الفنانة عائشة عبدالرحمن، والمسرحية من انتاج مسرح الشارقة الوطني الذي تأسس منذ اكثر من ربع قرن من الزمان وقدم ما يقرب من خمسين عملا مسرحيا ابرزها شمس النهار، لتوفيق الحكيم ـ مغامرة رأس المملوك جابر، لسعد الله ونوس ـ مقهى بو حمدة لجواد الاسدي ، راعي البوم عبرني، لاسماعيل عبدالله، اضافة الى اعمال صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الاعلى حاكم الشارقة (عودة هولاكو ـ القضية ـ وصلاح الدين وغيرها ) كما حصدت فرقة مسرح الشارقة اكثر من سبع جوائز خلال دورات المهرجان المسرحي المحلي وكذلك الخليجي والعربي! ولمزيد من الانارات حول عمل الفرقة الجديد للمهرجان التقت «البيان» بالمخرج والممثلين فكان هذا التحقيق: فكرة انسانية يقول حسن رجب ان فكرة آباء للبيع أو للايجار فكرة انسانية عميقة وكبيرة وتجمع بيني كمخرج والجسمي كممثل لاول مرة لكن اهم ما يميز هذا العمل انه يعد للمهرجان بمعنى ان «ايام الشارقة المسرحية» عادة ما تشهد زخماً كبيراً من الناحية الاعلامية حيث نجد كل وسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية في المهرجان اضافة الى بعض وسائل الاعلام الخليجية والعربية ايضا، كما ان هناك الكثير من ضيوف المهرجان من الكتاب والنقاد والصحفيين وجمهور كبير، صحيح معظمه من المهتمين بالمسرح لكن كل هذه المناخات تفرض علينا ان نراعي ذلك في الاعداد لان هناك ندوات فكرية ولجان تحكيم وما الى ذلك، لذلك مما يجعل هذه الاعمال لا تقبل اي تنازلات. ويضيف حسن رجب ان ما نفتقده في ساحة الامارات هو تأصيل عادة الذهاب الى المسرح لدى الجمهور من المواطنين او من الوافدين العرب المقيمين معنا ولا يمكن لهذا الزخم في المهرجان وحده ان يؤصل مثل هذه العادة ان لم يتم تصوير هذه المسرحيات واعادة عرضها على شاشة التلفزيون، كما فعل معنا تلفزيون الكويت في مسرحية «مال الله الهجان» حيث تم تصويرها وعرضت ثلاث مرات وهذا دليل على ان الاشادة بالفنان المحلي تأتي دائما من الخارج. ويؤكد حسن رجب على اهمية ان يتطور المهرجان وان يخصص في دوراته لسنة او اكثر اعمالاً مسرحية للاطفال لان مسرح الطفل في عالمنا العربي مهمل ومغيب وهنا تكمن مأساة المسرح الحقيقية لان الابداعات الحقيقية هي التي تولد مع الطفولة ثم تنمو وتترعرع في اجواء من الحرية التي يتعلمها الطفل من المسرح! عمل مفتوح اما احمد الجسمي بطل المسرحية فيقول بأنها عمل مفتوح على كل الاتجاهات والاحتمالات لان فكرة المسرح في الاساس فكرة انسانية عامة وشاملة ولهذا فإن الابداع الجيد سواء في المسرح او السينما او التلفزيون او حتى الشعر والرواية وغيرها يحتمل عدة قراءات مما يتيح فرصة التأويلات لانه في العادة لا يرتبط بالزمان ولا بالمكان وانما هو قادر على التحليق في عدة اجواء. ويوضح الجسمي فكرة العمل بشكل اوسع فيقول اننا نطرح قضية التسول التي يمارسها الكثيرون باستخدام اسلوب قاسِ مع الآباء العجزة او المرضى او المعاقين كمدخل لولوج هذا العالم بكل اسقاطاته عالم «التسول» على كافة الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وايضا الثقافية التي تنتج لنا كافة هذه العوامل الانسانية الشريرة وغير السوية ـ لقد اصبحنا نتسول في كل شيء المال والفكر والسلوك والموقف! اننا في مسرح الشارقة الوطني صاحب هذه التظاهرة نشعر بأن المسئولية علينا مضاعفة لاننا اكثر الفرق المسرحية التي تسلط عليها الاضواء لذلك يجب ان نتواجد بصفة دائمة في المهرجان وبقوة! وان ننافس للظهور بشكل متميز ولهذا نحاول ان نقدم العمل الذي يحظى بقبول الجميع وينتزع منهم الاعجاب والتصفيق! لهذا يجب ان تكون اعمال المهرجانات ذات سمة جيدة فنحن نقدم العمل الاكاديمي الذي سيشاهده النقاد المتخصصون من معظم الدول العربية وبالتالي سيبرز هنا اداء الممثل الجيد، والمخرج المتمكن، والنص القادر على التأثير! عمل صعب تشارك في البطولة هذا العرض المسرحي الفنانة عائشة عبدالرحمن التي حازت على جائزة أفضل ممثلة مسرحية دور أول ودور ثان أربع مرات خلال سبع مشاركات لها في دورات المهرجان. وتقول عائشة ان العمل يتسم بالصعوبة ويحتاج للكثير من الجهد والتعب لأنني أجسد أكثر من ثلاث شخصيات مختلفة في الشكل والمضمون في وقت واحد، وهذه النوعية من الادوار المركبة تتطلب تركيزا شديدا من الممثل والممثلة حتى ينتقل وبسرعة من حالة الى اخرى ويتقمص بنجاح الشخصيات المتعددة بكل ملامحها الذهنية والنفسية مع اجادة الحركة المسرحية الصحيحة المرتبطة بكل شخصية على حدة وحسب عمرها وثقافتها ووضعها الاجتماعي. وتؤكد عائشة ان المشاركة في المهرجان ليست بالضرورة ان تكون بهدف المنافسة والحصول على جائزة بقدر ما هي اثبات للوجود. وتقول دعني أتحدث بصراحة أكثر أنت تشاهد الكثير من الممثلين والممثلات يشاركون في أكثر من عمل في المهرجان قد يصل الى ثلاثة أعمال أو حتى أكثر، والسؤال هو: هل أمامهم فرصة أخرى للعمل المسرحي طوال العام سوى للمهرجان؟ ان هذا الوضع يخلق الكثير من الضغوط النفسية على أي ممثل أو ممثلة ولكن لو كانت لدينا مواسم مسرحية خارج نطاق المهرجان لاختلفت الكثير من الأمور في الساحة! ومع ذلك فإنني أرى في أدائي لهذا الدور بجوانبه المتعددة (الراوية.. البنت.. الزوجة.. الخالة» وعلى مدى مشاهد متتالية سريعة الايقاع، اضافة فنية جديدة لأدواري السابقة وفرصة كي أفجر كل طاقاتي الكامنة التي لم تخرج الى النور بعد! أهداف المسرح أخيرا يشارك الفنان احمد بورحيمة في هذا العمل المسرحي كمساعد مخرج ويقول: ان «آباء للبيع» عمل مثير للتساؤلات وهذه هي أهداف المسرح الحقيقية ويضيف بأن المهرجان ورغم ما يحظى به من تغطيات وحضور جماهيري صاخب الا ان المهرجان يظل عاجزا عن صناعة النجوم، وهذا ما نفتقده في ساحة الامارات وهو يحتاج لدعم حقيقي من الدولة، رغم انني أرى ان 90% من النجوم جاءت شهرتهم صدفة وليس بسبب أعمالهم الجيدة. لقد فرحنا كثيرا عندما أصبح للمهرجان دورات سنوية بعد ان كان ينظم كل عامين، لكننا وبعد التجربة نشعر بالفعل ان ذلك أصبح مرهقا والابداع الحقيقي يحتاج لوقت كي ينضج بينما السرعة تنتج عادة الكثير من الأعمال الهابطة فنيا وفكريا ورغم كل ذلك فأنت تعرف جيدا ان الكثير من الأعمال المسرحية الاماراتية لها جمهور كبير في بعض البلاد العربية مثل تونس ولبنان وسوريا، والدليل على ذلك مسرحية «زكريا حبيبي» لناجي الحاي التي عرضت منذ سنتين في الاسبوع الثقافي الاماراتي ببيروت، لقد شاهدها كبار المسئولين من الامارات في لبنان ولم يصدقوا ان هذه المسرحية اماراتية 100%.