وتبقى فطرة أهل الخير سليمة لا ترضى أبداً بالاساءة، ويبقى المجتمع بخير مادام أهل الفطرة السليمة هم الأغلبية السائدة... يرفضون رياح التغيير الشديدة التي تهب باسم التحضر والتطور، لانهم يعلمون أنها تخفي في طياتها معاول هدم الاخلاق والقضاء على كل ما هو جميل من عادات وتقاليد نعتز بها ونفتخر بانتمائنا لها وانتمائها لنا. .. لا أحد ضد التطور وبالتالي لا أحد مع التخلف، ولكن جميعنا نرغب بالاحتفاظ بعاداتنا وتقاليدنا المتوارثة، والتي لا تتعارض أبداً مع معطيات العصر الحالي إذا اوليناها العناية اللازمة. .. لذا من الضروري جدا ان نبدأ عملية وضع النقط فوق الحروف، وأن نسمي الأمور بمسمياتها الحقيقية، ومن المعيب جداً ان يتحول «العيب» عند البعض الى حضارة، والاساءة تصبح تمدناً وتطوراً، وتصبح الخصوصيات مشاعاً عاماً، والعموميات تتحول الى حرية شخصية.. .. من الضروري أيضاً ان ننهي التناقض الواضح في شخصية البعض، وخاصة اولئك الذين يعقلون تماماً الفرق بين الصواب والخطأ، لكنهم يتجنبون الصواب لينغمسوا في الخطأ، والأخطر من ذلك أنهم يحاولون حجب عين الشمس ليروجوا للخطأ باعتباره عين الصواب!! .. هؤلاء يتجاهلون الحقيقة ويمشون في مجاهل الباطل، معتمدين على أبواق تصور لهم الباطل حقيقة، وتجعل لهم الرذيلة تمدناً وحضارة.. وهم منساقون في ذلك الطريق لانهم يمتلكون الاستعداد النفسي والشخصي للانطلاق في هذا العالم المتهالك.. .. ومع ذلك وبالرغم من وجود هذه العينات في مجتمعنا الا أن الوجه الآخر دائماً يفصل المعادلة الصعبة.. وجه الخير الذي يحمله معظم أهل المجتمع من أصحاب الفطرة السليمة التي لم تؤثر عليها عملية تغيير المسميات، فالخطأ عندهم خطأ لا يحتمل معنى ثالثاً.. يحبون التقدم والتطور والوصول الى أفضل المستويات، ويتمسكون بالماضي ويغرسون عادات العرب وتقاليدهم في نفوس الجيل الجديد.. يثنون دائماً على كلمة الحق ويؤيدونها، وينبذون التصرفات الدخيلة التي لا نؤيد وجودها بيننا على الاطلاق. .. ونحن بدورنا ومن منطلق حب الوطن والغيرة على اسمه وسمعته، لا نرضى أبداً بأي فعلٍ أو قولٍ او حتى همس يمس هذا الوطن ولو بشعرة سوء.. ومن هذا المنطلق نضع أعيننا دائماً على كل ظاهرة او حادثة او موقف يحمل اي قدر من السلبية حتى يتم تلاشيها ومكافحتها على وجه السرعة.. لا نهدف من ذلك سوى المصلحة العامة ولا شيء غيرها.. بالتأكيد لن ندّعي ان الجميع سيؤيد ويبارك، فنحن ندرك ان الكلمة الصادقة لها أثر فعال لكل من يقرؤها سواء كان مؤيداً او معارضاً.. ونعلم تماماً ان هناك من يرفض الاستماع الى كلام العقل والمنطق لأسباب كثيرة وكثيرة جداً.. لكن هذا لا يهم مادام هناك مصلحة عليا، وواجب وطني، وأولو ألباب وعقول يعرفون مداخل الكلمات ومخارجها.. إذن الواجب يحتم علينا حماية المجتمع، ونبذ كل ما يحمل اساءة لابنائه.. .. الأديب والشاعر محمد بن حاضر فاجأني بأبيات قصيرة، تحمل في طياتها الحل الأمثل لمواجهة بعض «السخافات» التي تطغى بين فترة وأخرى على الساحة فقال: صباح الخير يا سامي الريامي.. جديرٌ أنتَ حقاً باحترامِ مقالك عن سخافة ذا وهذي.. من الأوباش يصبح كالقتامِ.. إذا لم يقترن بالفعل فعلاً.. بنصل الرمح أو حد الحسامِ .. محمد بن حاضر هنا يرى ان القول يجب ان يقترن بالفعل والفعل الصارم أيضاً، وإلا يصبح كالقتام أي كالغبار لا فائدة ترجى منه.. وكم كنت اتمنى لو أني ملكت موهبة الشعر حتى استطيع ان ارد على هذه الابيات الجميلة المعبرة، الا انني للاسف لا استطيع مجاراة أديبنا وشاعرنا شعراً لكن استطيع القول ان دورنا يأتي في تقديم النصح ووضع اليد على الجرح فقط، اما العلاج والفعل الذي يقصده بن حاضر فنحن لا نملك منه شيئاً، وله أهله الذين يجيدون استخدامه في الوقت المناسب.. .. ويسمح لي بن حاضر ان استعين عليه بالأصمعي الذي يقول في مجال النصح: النصح ارخص ماباع الرجال فلا تردد على ناصحٍ نصحاً ولا تلمِ ان النصائح لا تخفى مناهلها على الرجال ذوي الألباب والفهمِ كما أود الاستعانة بلقمان الحكيم وأذكّر بقوله: «ان من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من وخز الابر، وأمدّ من الصبر، وأحر من الجمر، وان من القلوب مزارع، فازرع فيها الكلمة الطيبة فان لم تنبت كلها ينبت بعضها».