لم تكن اهتمامات هيوج ماسون يوماً تنصب على مراقبة النباتات وهي تنمو، فقد كان الرجل مهتماً بالجزيئات العضوية الـ «دي ان ايه» والبروتينات والفيروسات أكثر من اهتمامه بالكائنات في حد ذاتها. لكنه هذه الأيام يمضي الكثير من الوقت في التفكير بقلق بالطماطم التي تنمو بالعشرات في أوعية خاصة في بيت زجاجي بمعهد بويس تومسون التابع لجامعة كورتل بنيويورك، وللوهلة الأولى تبدو الطماطم طبيعية تماماً بلونها الأحمر الفاتح وحجمها الذي يتجاوز بقليل حجم كرة الجولف. لكن بالتمحيص عن كثب في هذه النباتات يتبين المرء أنها ليست كالطماطم التي نعرفها قبل بضع سنوات. كان عالم الأحياء عالم الأحياء هيوج ماسون يقحم مورثات أجنبية في النباتات لجعلها أفضل قدرة على مقاومة الجفاف، عندما اقترح عليه أحد زملائه امكانية أكثر اثارة: لماذا لا يعثر على مورثات تجعل النباتات المألوفة الصالحة للأكل تنتج اللقاحات ضد الأمراض البشرية؟ وهذا بالضبط ما يحاول القيام به، فالطماطم التي يرعاها بحنان في مختبره الزراعي تحمل مورثاً تركيبياً يجعلها تنتج بروتينا مطابقاً للبروتين الذي يلعب دور درع حماية ضد فيروس «نوروك» الذي يتسبب بألم المعدة والإسهال. وأظهرت التجارب أن الفئران التي تأكل هذه الطماطم (بعد تجفيفها وطحنها) تطور استجابات مناعية مضادة للفيروس يعتزم ماسون ان يقوم في وقت لاحق هذا العام بتكرار التجربة على البشر، ويأمل أن بحثه هذا سيقود إلى ايجاد طرق رخيصة للغاية لصنع اللقاحات وايصالها للجسم. وإذا قُدّر لهذه التقنية ان ترى النور في يوم ما فسيكون على ماسون وزملائه ان يجروا تغييراً جذرياً أيضاً في مواقف الناس حيال الأغذية المعدلة وراثياً فعندما استحدثت أول منتجات أغذية معدلة وراثياً قبل بضعة سنوات ، كانت موجهة إلى قطاع ضيق يتمثل في المزارعين (الأمريكيين على وجه الخصوص) من أجل حماية محاصيلهم من الحشرات ومبيدات الأعشاب الضارة. وكان ذلك من بين الأسباب التي جعلت منافع الأغذية المعدلة لا تلقى استحسان الجماهير، لكن في المقابل فإن الجيل التالي سيكون موجهاً إلى المستهلكين عامة، إذ ان المنتجات الجديدة التي يتم تطويرها حالياً في المختبرات في أنحاء العالم لا تقتصر على النباتات المحملة باللقاحات على غرار طماطم ماسون، بل تتعدى ذلك لتتضمن سلعاً غذائية رائجة كالأرز والذرة والصويا والخضار المعدلة وراثياً بحيث تمتلك قيمة غذائية معززة. طماطم متجعدة تبدو أوراق بعض طماطم ماسون متجعدة وكأنها جففت على سويقتها ويوضح ماسون ان هذا العيب الشكلي لا يؤثر على مذاق الطماطم وأنه «مجرد نتيجة غير مرغوب بها ناشئة عن التهجين الوراثي وربما يكون سببها زيادة عدد الصبغيات». لكن ما قيمة الأوراق المتجعدة بالمقارنة مع امكانيات لقاحات الطماطم لدرء الأمراض عن آلاف الأطفال الذين يموتون سنوياً بسبب عدم تحصينهم ضد أمراض شائعة، مثل الدفتيريا والاسهال والسعال الديكي وشلل الأطفال والحصبة؟ وخلافاً للعديد من اللقاحات التقليدية فإن اللقاحات المحمولة بالأغذية لن تحتاج إلى تبريد، إذ يمكن توزيعها على شكل بذور تزرع وتجنى غلالها محلياً، الأمر الذي يخفض إلى حد كبير تكلفة ايصالها إلى قرى العالم الثالث النائية. وعلى سبيل المثال يمكننا تخيل مدى سهولة وسلامة توزيع لقاح للسل محتوى داخل مورثات الطماطم أو الموز بالمقارنة مع المصل التقليدي الذي يجب اعطاؤه للناس بالحقن. لكن السؤال الذي لا يزال ينتظر الاجابة هو هل يمكن حقاً وقاية البشر أو الحيوانات من الأمراض بمثل هذه اللقاحات. الأبحاث الأكاديمية وحدها لا تكفي للاجابة على هذا السؤال وسيتعين أولاً تطوير هذه الغرائب العلمية إلى منتجات عملية محتملة، وهذه الأخرى يجب ان تجتاز سلسلة ضخمة من التجارب والموافقات قبل ان تصبح أدوية جديدة. وتكمن المشكلة في ان النفور الجماهيري الحالي من الأغذية المعدلة وراثياً جعل من الصعب ايجاد التمويل اللازم لتطوير هذه المنتجات في المقام الأول. وتعتبر أوروبا قلب المعارضة لهذا النموذج في تطبيقات الهندسة الوراثية، ويعود تاريخ الكراهية الفطرية التي تكنها أوروبا للأغذية المعدلة وراثياً إلا أواخر الثمانينيات عندما اصطدمت شركة الكيماويات الألمانية العملاقة «هويخست» مع نشطاء البيئة حول خططها لاستخدام أحدث تقنيات التعديل الوراثي حينذاك لتصنيع الأنسولين في مصنع بمدينة فرانكفورت. وعلى الرغم من ان اساليب مشابهة كانت تستخدم من قبل في الولايات المتحدة إلا ان «الخضر» الألمان لم يقتنعوا البتة بأن المصنع كان آمناً واستغرق الأمر عشر سنوات حتى سمح بفتح المصنع مرة أخرى. قضية الانسولين لكن قضية الأنسولين بدت باهتة بعد الاخفاق التام الذي منيت به شركة مونسانتو الأمريكية التي ارتكبت خطأ فادحاً بدخولها إلى السوق الأوروبية لتسويق منتجات الذرة والصويا المعدلة وراثياً والمصممة لمنفعة المزارعين الأمريكيين. فقد قاد الناشط الفرنسي جوسيه بوفيه مجموعة من المحتجين الجريئين الذين اقتحموا مصنع مونسانتو في بلدة ناومي توك البرازيلية وأتلفوا هكتارات عديدة من فول الصويا المعدل وراثياً على مرأى من رجال الشرطة. وأطلقت الشركة أخيرا حملة علاقات عامة لايضاح مزايا أغذيتها المعدلة وراثياً لكن بعد فوات الأوان، وتلقت جهود محاولات نشر منتجات الهندسة الوراثية صفعات متوالية بعد ذلك من قبل الجماهير المعنية بحماية البيئة وحماية المستهلك. ولاعادة بناء جسور الثقة مع المستهلك ستضطر صناعة الأغذية للمجازفة بمجابهة المخاوف الجماهيرية، وقد أظهر نيال فيتز جيرالد رئيس شركة الأغذية الأوروبية «يونيليفر» التي سحبت منتجاتها المعدلة وراثياً عندما اندلعت الأزمة قبل بضعة سنوات أظهر بعض الاستعداد لاعادة النظر في الأمور. وقال في كلمة له القاها قبل أيام ان الخطأ الذي ارتكب في موضوع الأغذية والمحاصيل المعدلة وراثياً هو الاخفاق في الوصول إلى المستهلك، وعلينا الآن ان نبدأ من جديد، لكن هذا لا يعني ان نتبع الرأي العام بل يعني اطلاق مبادرة للتواصل بشكل مباشر وصريح مع المستهلكين والاجابة على جميع تساؤلاتهم. وقد يجادل بعض المشككين بأن جيرالد شخص انتهازي إذ انه رأى فرصة لتوفير المال بالتحول الآن إلى زيوت الطهي المعدلة وراثياً، بعد ارتفاع أسعار ماركات الزيوت غير المعدلة وراثياً. وربما يشير البعض الآخر إلى ان الأطفال الذين يموتون بسبب العجز في اللقاحات ربما تكتب لهم حياة جديدة باستحداث اللقاحات المحمولة بالأغذية، ولا تزال قضية الأغذية المعدلة وراثياً تتخبط بين هذين القطبين بانتظار ما يخبئه المستقبل. علي محمد