تقسم الولايات المتحدة مدنها وبلدانها مترامية الاطراف الى مناطق بريدية لكل منها رمز رقمي مختلف لتسهيل فرز وتوزيع الرسائل والطرود البريدية. لكن ايصال المواد البريدية الى منطقة استثنائية تحمل الرمز «28109543» ليس دائما بالامر اليسير، اذ يتعين على الطيار في احيان كثيرة ان يعبر المحيط قبل ان يتابع طريقه اليها في البحر المتوسط او بحر العرب او اي بقعة اخرى من مياه العالم. انها حاملة الطائرات الامريكية «انتربرايز» التي تعمل على الطاقة النووية وتعتبر أقوى وأطول وأعلى سفينة حربية في تاريخ العالم، لدرجة انها استحقت تصنيفها مع المدن والبلدات الامريكية نظرا لكونها «مدينة عائمة» كما يصفها الكثيرون». مساحة سطح السفينة 447 أفدنة وتحمل ثمانية اسراب طائرات كل منها يشكل وحدة جوية مستقلة فضلا عن منظومة صواريخ «سي سبارو» وتجهيزات تجسس الكترونية تعتبر الاشهر تطورا في تاريخ الابتكارات الحربية. تتمثل مهمة «انتربرايز» في حمل القوة العسكرية الامريكية الى اي نقطة على كوكب الارض مهما كانت بعيدة او نائية وللقيام بذلك تحمل السفينة مجتمعا متكاملا قوامه اكثر من 5000 بحار في انحاء العالم، ويوجد فيها مخابز ومحل حلاقة ومصرف ومكتبة ومتحف وناد صحي وقسم مكافحة حريق وسجن وصحيفة يومية ومحطات اذاعية وتلفزيونية ومتجر ضخم متنوع. ولها رمزها البريدي الخاص. وحتى في الوقت الحاضر، حيث يستطيع اي عضو من طاقم السفينة الوصول الى بريده الالكتروني متى شاء فإن انتربرايز تتلقى يوميا حوالي 5000 رطل من المواد البريدية، كما يقول كبير موظفي مكتب البريد على متن السفينة، الذي يشير الى ان الرسائل والبطاقات البريدية تمتلك مفعولا قويا في رفع معنويات كوادر البحرية. وتتميز انتربرايز بحضور العنصر النسوي الذي لم يكن يرسل على متن السفن الحربية قبل عام 1993، رغم ان المجندات يخدمن في سلاح البحرية من ايام الحرب الاهلية الامريكية. وتشكل النساء الآن 10 بالمئة من طاقم السفينة و3 بالمئة من طاقم الملاحة الجوية على متن انتربرايز. وبالنسبة للبحارة، ذكورا وإناثا، فإن الواجب البحري يتمثل في نشاط مستمر على مدار الساعة على متن حاملة الطائرات الهائلة التي يحلو لهم ان يصفوها بـ «المدينة التي لا تنام». معظم وقتهم مكرس بشكل رئيسي لاقلاع وهبوط الطائرات على مدرجي السفينة ويضم الجناح الجوي الخاص بانتربرايز 250 طيارا، لكن تمكين هؤلاء في التحليق والهبوط بسلامة يتطلب آلاف البحارة الاخرين الذين يخططون لكل طلعة جوية ويقومون بصيانة الطائرات وينقلونها على مصاعد ضخمة من سطح العنابر الى سطح الاقلاع، ويحركون السفينة لتخفيف أثر الرياح على المدرج قدر المستطاع ويجهزون مروحيات الانقاذ وينظمون مواعيد الاقلاع بدقة متناهية بحيث تنطلق الطائرات المحملة بالصواريخ والقنابل بسلامة بفوارق زمنية لا تتجاوز بضع ثوان. ان آلات اطلاق الطائرات وهي في جوهرها عبارة عن مقاليع صناعية قوية تساق بالبخار تقذف طائرة تزن 30 طنا الى مرحلة التحليق الكامل في مسافة لا تتجاوز طول ملعب كرة قدم. والطيارون ينطلقون من نقطة الصفر الى سرعة 163 ميلا بالساعة خلال ثانيتين فقط. ملامسة السطح وتبدو عملية الهبوط اكثر ادهاشا حتى من الاقلاع. فالطيارون التجاريون يحتاجون الى مدرج يتجاوز طوله الميل لكي يهبطوا بطائراتهم، في حين ان طياري انتربرايز يفعلون الشيء نفسه في مسافة 350 قدما فقط. ويتعين على الطائرة الهابطة من السماء بسرعة فائقة ان تلامس سطح السفينة بالزاوية والموقع الصحيح مئة بالمئة حتى تعلق بأحد كبلات الكبح الأربعة الضخمة التي تضمن ايقاف الطائرة تماما على الفور. وعلى الطيار ان يكمل هذه المناورة دون ان يخفض قوة المحرك لكي يتسنى له الاقلاع ثانيا لو اخطأ جميع أسلاك الايقاف. وهو أمر يحصل بضع مرات في اليوم. ولابد لطياري انتربرايز من الاستمرار في هذه المناورات على الدوام حتى تحقق السفينة فحوى شعارها «الجاهزية فور الوصول» لكن الاستعداد يعتمد على كافة شرائح مجتمع انتربرايز. الملاحون على منصاتهم وفنيو المفاعل النووي في احشاء السفينة والقصابون والخبازون وحتى صانعو المظلات. ويقول مشرف قسم تجميع المظلات الجوية الذي يمضي ساعات عمله على طاولة محاطة بخيوط الحرير وماكينات الخياطة في حجرة حزم المظلات على متن حاملة الطائرات: «انتسبت الى سلاح البحرية لكي أرى البحر لكني لا أراه من حجرتي السفلية هذه ومع ذلك فأنا جزء من سلاح البحرية لانني أنقذ طياري البحرية. وشعارنا هنا في هذه الورشة هو «نحن آخر من يدعك تسقط».