هناك رجال تبقى ذكراهم عالقة في الأذهان تثير مشاعر متضاربة، ويبقى اختفاؤهم ورحيلهم عن الدنيا لغزاً يحيّر الباحثين عن الحقيقة. ومن هؤلاء الرجال الكابتن في الجيش البريطاني روبرت نيراك، الذي خاض حربه الخاصة في شوارع بلفاست في السبعينيات من القرن الماضي، وكان يخرج في مهماته معتمرا قبعة الكاوبوي ومرتديا زي الجندي غير النظامي وحاملاً بندقية خردق. كان الكابتن روبرت نيراك عميلاً سرياً للجيش البريطاني في بلفاست بايرلندا الشمالية. ولاتزال تفاصيل حياته المشهورة غامضة حتى الان، ولكن الشيء المعروف هو أنه توفي بعد ان تم اختطافه على يد مجموعة تابعة للجيش الجمهوري الايرلندي خارج احدى الحانات في ساوث آرماج وأنه هوجم بوحشية وضرب وعذّب قبل وفاته في الرابع عشر من مايو عام 1977. وهو الجندي الوحيد من بين الأشخاص «المفقودين» في ايرلندا الشمالية، اي أولئك الأشخاص الذين قتلوا على يد قوات شبه عسكرية ولاتزال جثثهم مفقودة. يقول أحد زملائه السابقين في الجيش البريطاني انه لايزال اسم نيراك يثير القشعريرة. فهو يبدو غامضاً، بل ومنحوساً. ثم هناك أيضاً سلسلة من القرائن ـ الجندي الذي كان أحد أفراد سلاح الحرس المرتبط بالملكة... جهاز الأمن السري.. وحقيقة انه كان يعمل وحده عندما مات.. التشابه مع لورنس العرب. هذه الأمور كلها تتجمع لتكوّن شخصية الجاسوس المعاصر». ومن بين جميع الجنود الذين خدموا في ايرلندا الشمالية يعتبر روبرت نيراك واحداً من أشخاص قلائل يعلقون بذاكرة الناس ولايزال على الرغم من مرور قرابة 25 عاماً على وفاته، يثير الاهتمام والجدل. ربما يعود ذلك الى كونه حاول ان يغيّر الأحداث لوحده خلال واحدة من أكثر الفترات عنفاً في تاريخ الصراع في ايرلندا الشمالية. أو لأنه كان كاثوليكياً انجليزياً يملك بصيرة نافذة في طرفي الصراع. بالنسبة للبعض، كان روبرت الجندي السرّي، الذي يخوض ببطولة حرباً قاتلة تغلغل فيها بشجاعة الى الجماعات شبه العسكرية الجمهورية والموالية للملكية، واضعاً نفسه موضع التعرض للهجوم من الاثنين في العملية. وهناك أشخاص اخرون ينظرون اليه نظرة مغايرة. وهم يعبرون عن امتعاضهم لمنحه وسام «صليب جورج» على بسالته وهو أعلى وسام شرف يمكن ان يمنح بعد صليب فكتوريا. ويزعم هؤلاء انه «زرع» عملاء عنيفين داخل الجماعات شبه العسكرية المتعارضة وأنه توقف عن اتباع القوانين التي كان يحترمها في يوم من الأيام وأنه اختفى بينما كان يخوض حربه الخاصة. يبدو ان رسم صورة اكثر اكتمالاً له يعتبر امراً صعباً. فالعديد من الشخصيات في قيادة الجيش البريطاني امتنعت عن التطرق لهذه القضية، وبالمثل فان الجمهوريين الايرلنديين الشماليين يفضّلون قول أقل ما يمكن عنه. وبالتالي، فان من الصحيح بلاشك ان نيراك كان شخصاً معقداً يشارك في حرب قذرة بحق. ولد روبرت نيراك في جلوسيسترشاير في عام 1948 لأسرة انجليزية من الطبقة المتوسطة. كان والده جراح عيون مرموقاً وكاثوليكياً رومانياً بينما كانت امه بروتستانتية. قضى سنواته المبكرة في مدرسة جيلنج كاسل الاعدادية في يوركشاير، ثم التحق بكلية امبليفورث، وهي النظير الكاثوليكي الانجليزي لكلية ايتون. وخلال دراسته في امبليفورث، تفوق في المجالين الاكاديمي والرياضي. والريف المحيط بالمدرسة اتاح له ممارسة هواية الرمي بالسلاح وصيد السمك. وكان اجتماعياً ولكنه كان يتوق في أغلب الأحيان للعزلة. ذهب بعد الكلية لدراسة تاريخ القرون الوسطى والتاريخ العسكري في جامعة اكسفورد، حيث ابتعد عن الجمهور. وكان يحتفظ بصقر مدرّب على الصيد في غرفته ويجلس الى الامتحانات مرتدياً زيه العسكري ويلاكم ممثلا كليته، وقد اعتبره معاصروه عنيداً وذا شخصية كاريزماتية، والبعض لاحظ وجود هالة من القدر المشئوم تحيط به. في عام 1972، وبعد تدريب له في أكاديمية ساندهيرست العسكرية وانضمامه «لحرس الرماة» في ويلنجتون باراكس في لندن، تطوع نيراك للخدمة في ايرلندا الشمالية. وبينما كان الآخرون يتجنبون الخدمة في هذه المنطقة، رأى روبرت ان ايرلندا الشمالية هي المكان الذي يستطيع فيه ان يحقق شيئاً يحسب له. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن. فعلى الرغم من محاولاته مساعدة السكان على اجلال السلام والتقريب بينهم، إلا أنه أثار بذلك عداء المعسكرين المتصارعين. وانتهى به الحال ان اختطف وعذّب قبل أن يقتل على يد مجموعة من الجيش الجمهوري الايرلندي، ولايزال مكان جثته والقصة الحقيقية لمصرعه مجهولة حتى الان. ويصدق القول بحق هذا الرجل أنه عاش في الظل ومات فيه. ضرار عمير