تركت العمل الصحفي الذي امتهنته في مقتبل العمر بيسر شديد عدة مرات، وأزحت عن العمل الصحفي مرة دون أن أحس بالأسف الكبير. وفي كثير من الأحيان كان يقال لي أن ذلك لصالحي، وفي بعض الأحيان كنت أقول ذلك لنفسي. لكنني اكتشفت أن كل ذلك وهم. وأن مهنة الصحافة أو البحث عن المتاعب هي مهنة تدخل الى جهازك العصبي فلا تخرج منه أبدا كأنها فيروس بلا علاج. ولقد تفجرت رغبتي في كتابة لقاء صحفي وأنا في لقاء مع محمد حسنين هيكل. أحسست أن لدي أسئلة كثيرة وأن لديه من الاجابات ما يكفي لحديث هام ومثير. وكدت أطرح عليه الفكرة لولا أنه لم يخطر على باله أن أتحول فجأة الى صحفي، وأنه في غالب الأمر لم يعد نفسه لهذا. في ذلك الصباح وأنا أنصرف من بيته وأسير على شاطئ النيل، تنبهت أنها لم تكن المرة الأولى التي ناوشتني فيها الرغبة، وان كانت تأتي عابرة وتذوب من اللحظات. ولكن انتهاء الرغبة لا يعني موت الفكرة. وخلال الشهور الماضية انتابتني رغبة شديدة لم أنقلها لأحد خشية أن يتهمني بالجنون، وهي الرغبة في عمل مقابلة صحفية مع اسامة بن لادن! طبعا ستكون ضربة صحفية بارعة. لكنني لا أنظر لها من هذه الزاوية، إنما أريد اجابات على أسئلة نطرحها كل يوم. كما أريد أن أستعيد معه فيلم أفغانستان الذي شاهدناه جميعا، وبدا للكل أنه فيلم بلا حبكة وأنه كان سيئ الاخراج والتمثيل، ومع ذلك كان أكثر جماهيرية من أفلام ذهب مع الريح وكوفاديس وحرب النجوم. بدأ الفيلم بمشهد طائرة تتقدم بثبات لتخترق برجا كبيرا، يسقط آلاف الضحايا ويتجمد المشاهدون أمام الشاشة. فالمقدمة غير مسبوقة. وعدد الضحايا أكثر بمئات المرات من ضحايا سلفستر ستالوني في أفلام رامبو، ومن ضحايا سراج منير وفريد شوقي في أفلام عنترة بن شداد. ولابد لكل فيلم من بطل. والمنتج يعرف ذلك جيدا، فأعلن فورا أن بطل الفيلم هو اسامة بن لادن. لم يكن اختيار البطل موفقا. قد يكون لأسامة بن لادن أدواره، لكن هذا الفيلم يحتاج الى بطل من نوع آخر. واذا كانت هناك أزمة في النجوم، كان عليهم أن يبحثوا عن وجه جديد حقا، الوجوه الجديدة تحتاج الى تدريب واعداد ودعاية، لكن المصداقية مهمة. ما علينا.. بدأنا نشاهد فيلما بطولة اسامة بن لادن على مضض، فنحن نعرف أن البطل ليس هو البطل. وكان بعضنا يظن أنه شكل من أشكال التمويه مثلما يحدث في الأفلام البوليسية، فالشبهات كلها تحوم حول فلان والذي يحمل ملامح الشر مثل ملامح وجه عادل أدهم، وفي النهاية نكشف أن الشرير هو من كانت له قسمات طيبة مثل حسين رياض. وخرج علينا البطل وقال انه فعلا بطل الفيلم. وبدا لمن يفهمون في السيناريو أنها سقطة من البطل، فهو لا يحتاج الى هذا التصريح الذي لا يفيده في شيء، فإذا كان فعلها - والمشاهدون لا يصدقون أنه فعلها - عليه أن يصمت بل وأن ينكر بنفسه عملية الانتقام التي أعدت لها الشرطة خاصة أن الشرطة أو من يمثل دورها انتابها هوس هستيري جعلها تصرخ في هيستريا مهددة بالعقاب الشديد. في مثل هذه الأعمال لا يتباهى البطل فيقول انه البطل إلا اذا كان في هذا تحد للشرطة، وأنه سيلكم الشريف لكمة تسقطه من على حصانه. وبدا لبعضنا أن الفيلم «بايخ» فكل فيلم له بطل وبطلة، وفيلمنا بلا بطلة، وهذا مما لا يجوز في صناعة الأفلام. فالأفلام تنتهي عادة بقبلة البطل والبطلة على ماذا سينتهي فيلمنا هذا؟! وفي الاسبوع الماضي كان هناك لقاء مع بعض أساتذة التاريخ بينهم الدكتور قاسم عبده قاسم أستاذ تاريخ العصور الوسطى الاسلامية، الذي أثار عنده الاهتمام بتاريخ العروض السينمائية. وأبديت له اهتمامي الشديد، فلقد فكرت في الكتابة عن هذا الموضوع لولا ضيق الوقت وقلة الطاقة. وتذكرنا ما لم ندركه مثل «المفهماتي» وكان يقف الى جوار الشاشة عند عرض الأفلام الصامتة، ويشرحها للجمهور. وكان نجاح الفيلم لا يتوقف فقط على جودته بل أيضا على براعة المفهماتي. وكان المفهماتي يتحرج خاصة أمام جمهور الثلاثينيات المحافظ، فيضطر ذكاء أو جهلا لأن يقول أن البطلة هي أخت البطل، إذن لماذا يفعل كل هذا من أجلها؟ وحكى أحدهم أن الفيلم انتهى بقبلة بين البطل والبطلة، فضرب المفهماتي كفا بكف وقال: اكتشفنا الآن فقط أن البطلة ليست أخت البطل! ولو أن المفهماتي كان موجودا أثناء عرض فيلم «أفغانستان» لوقع في مشكلة كبيرة، فالفيلم يخلو من دور البطلة. واذا كان المفهماتي ينتمي الى النقاد الكبار فسيقول ان البطلة هنا هي أفغانستان نفسها، وأنها الأمل الذي يسعى اليها الجميع بداية من البطل، ولنفترض أنه اسامة بن لادن الى الشرطي الذي يرى أنه أحق من البطلة لأنه يمثل القانون. ثم نكتشف ونحن نشاهد الفيلم أن البطلة متزوجة وإن كان زوجها الملا عمر لا يظهر على الشاشة. وهذا من قواعد الدراما، إذ يجب أن تظهر من لهم دور في الأحداث. وهكذا تتعقد الرواية اذا قلنا أن افغانستان هي البطلة ولذلك فنحن ضد هذا التفسير النقدي. وقد يقول ناقد آخر ان الحقيقة هي البطلة. والقضية هنا أسوأ. فالبطل الذي اتفقنا عليه وهو اسامة بن لادن من الواضح أنه يراوغ وأنه سعيد لترشيحه للبطولة ليضيف لأعماله ما لم يقم به. والشرطي كما نعرفه من تاريخه أكبر مزور للحقيقة. في هذه الحالة تكون الحقيقة هدفا يسعى الى تدميره البطل والشرطي. وكالعادة نجلس نحن المتفرجين أمام الشاشة خائفين على البطلة ونلهث وهي تهرب من مصيرها الدامي وحسب السيناريوهات السابقة في مائة عام تنجو الحقيقة من مؤامرات المتآمرين. ولكن فيلمنا الجديد لا تنجو فيه الحقيقة ولكن ينجو فيه البطل الشرير رغم كل قواعد السينما في أكثر من قرن كامل. الفيلم كان له هدف واحد هو القضاء على البطل الشرير: اسامة بن لادن! وانتهى الفيلم ولم يقض أحد على البطل الشرير. ظهرت كلمة النهاية وصفق الجمهور وتسلل البطل في الظلمة. سيقول الشرطي ان البطل تسلل في الظلمة فلم يره، مع أنه قال من قبل انه صور ماركة «الفانلات» الداخلية لصدام حسين، وأنه يملك طائرات تستطيع تسجيل أنفاس ابن لادن في أي كهف تحت كذا متر من الأحجار و.. و.. فهل كان الشرطي يكذب، وأنه لم يكن يملك أبدا هذه التكنولوجيا. أما انه كان يملك ما هو أكثر منها لكنه لا يستطيع إيذاء البطل لأن الحكاية كلها مجرد فيلم سينمائي. ولو أنه قضى في كل فيلم على بطل، فمن أين يأتي بممثلين للأفلام القادمة. وهذا ما سأسأل فيه أسامة بن لادن اذا ما أتيح لي أن أجري معه مقابلة صحفية. فاذا كانت الشرطة قد تجاهلت الهدف الأساسي وهو القضاء عليه فما هو السبب؟ هل ذلك لأن الشرطة اكتشفت أنها لا تستطيع القضاء على البطل الشرير؟ أو لأنها أصلا لم تكن تستهدف هذا، وأنها كانت تخدعنا، وأن الخداع جزء من اللعبة الفنية؟ طيب.. اذا كان هذا، ألم يخطر على بال البطل وهو يهم باداء دوره أو أثناء ذلك أنه كان يساهم في خطة الشرطة؟ وأنه ساعدها في دورها الشرير. ما علينا.. انتهى هذا كله، ماذا سيفعل البطل الآن؟ هل اعتزل التمثيل نهائيا مثل الممثلين الذين يؤدون أدوارا لها قداسة مثل أدوار السيد المسيح أو غاندي. أم أنه يتجهز لفيلم آخر بحبكة أخرى؟ وهل نستطيع أن نعرف - أنا أسأل - من اسم البطلة في الفيلم الجديد؟ ولن أقول لأحد أبدا ان الفيلم الذي شاهدناه كان غاية في السخافة، وأننا نتمنى أن نرى فيلما أفضل. ولا أظن أن أمنيتنا ستتحقق ما دام المؤلف هو المؤلف والمخرج هو المخرج.