لاتزال ازهار الخشخاش الحمراء تتمايل مع الريح في حقول الفلاندرز بين صفوف القبور. فوسط المروج المزهرة المحيطة ببلدة ايبر العريقة في الفلاندرز البلجيكية، هناك 170 مقبرة عسكرية لها نصب حجرية توثق السبب الذي مات من أجله هناك جنود من 20 جنسية مختلفة على الاقل في الحربين العالميتين. وفي مساء كل يوم، يجتمع نافخو الابواق من اطفائية ايبر لكي يعزفوا «اللحن الاخير» تكريماً للجنود الذين سقطوا. وفي كل مساء يجتمع الناس لسماعه، والكثيرون منهم يذرفون الدموع ـ تصعد النغمات الحزينة الى السماء البلجيكية الصافية، لكي تمتزج بأرواح الملايين من الابرياء الذين قتلوا في الحروب الباردة والساخنة التي شهدتها اوروبا في القرن العشرين. ولكن على مسيرة ساعة بالسيارة عبر الاراضي الزراعية المنبسطة للفلاندرز يعلو نصب تذكاري متألق لأوروبا جديدة في قرن جديد. فابراج المكاتب الحديثة لمبنى كواريتر لييوبولد في بروكسل تحتضن الكثير من مؤسسات الاتحاد الاوروبي، وهو الجهد الطموح لتشكيل قارة مدمجة جداً ومترابطة للغاية لدرجة ان الحرب فيها ستكون مستحيلة. ومنذ ان بدأ الامر كترتيب لتجارة الفحم والفولاذ بعيد الحرب العالمية الثانية، نما هذا المفهوم الجديد لأوروبا من السوق المشتركة الى المجموعة الى الاتحاد الحالي لـ 15 دولة مع وجود 13 دولة اخرى تقدمت بطلب الانضمام للاتحاد. ويتمتع الاتحاد الاوروبي ببرلمانه الخاص وقائمة حقوقه ونظامه القضائي وعملته الخاصة وعلمه ونشيده الوطني وجيشه الذي يضم 60.000 عنصر «او قوة التدخل السريع اذا تحرينا الدقة» ويضم نظاماً بيروقراطياً يتألف من 30.000 شخص ومسودة قوانين قضائية تتألف من 80 الف صفحة تحكم كل شيء من انتهاكات حقوق الانسان والنظام الضريبي المشترك الى الملصقات المثبتة على عبوات المربى وسلامة جزازات العشب في المروج. لقد توسع الاتحاد الاوروبي الى هذا الحد وبسرعة كبيرة حتى ان الباحثين الاكاديميين تركوا ليتلمسوا طريقهم بحثاً عن مصطلح يصف هذا الكيان السياسي الجديد. ويقول مارك مازور، وهو مؤرخ لأوروبا الحديثة في جامعة لندن: «عندما تصل الى اعلام ومحاكم وعملة، فانك تتحدث عن صفات الدولة القومية لكن اوروبا ليست كذلك. فهي لن تكون ولايات متحدة اوروبية. وادق شيء يمكنك ان تقوله هو ان اوروبا منخرطة في عملية تاريخية مبنية حول مبدأ التعاون، وذلك يوجد نوعاً جديداً معيناً من الدولة». وفي هذا الشهر، انتج ذلك التعاون احدى اكبر الخطوات التوحيدية حتى لآن حيث بدأت 12 من الدول الاعضاء الـ 15 باستخدام عملة موحدة هي اليورو، ملقية بعملاتها الوطنية من الفرنكات والماركات والليرات في سلة مهملات التاريخ. كم من النقد سيحتاج ملء محافظ 307 ملايين شخص في اثني عشرة دولة مختلفة؟ ان اول مبلغ من اليورو سيتم تبديل العملات القديمة به يبلغ 50 مليار قطعة نقدية و14.5 مليار ورقة نقدية. ومجرد تسليم كل هذه الاموال كان من اعظم المهام اللوجستية في التاريخ الحديث. وفي ضوء جميع هذه الجهود التوحيدية، فان احدى اكثر القضايا التي تواجه اوروبا الجديدة دقة تتمثل في كيفية إيجاد اساس مشترك بدون التغطية على النسيج الفني للقارة من الشعوب واللغات والاطعمة والثقافات. وحتى هانز روبرت ايزنهاور، وهو مواطن الماني يعمل في فرنسا ويسافر الى كل الدول الاوروبية، كان قلقاً حيال الامر على الرغم من التزامه بالوحدة. ويقول بهذا الشأن: «ان الثقافة الاوروبية هي باقة من الزهور. تعتبر جميلة وهي معاً. ولكن الوردة تبقى وردة والتوليب تبقى توليب، وهذا الامر ينبغي الحفاظ عليه». الاوروبيون يتعلقون بفروقاتهم، حتى الفروقات التي بالكاد تظهر للغرباء. وهو يرون الاختلاف حتى مع جيرانهم القريبين في الدول الاوروبية المتجاورة. والعنصر الاساسي في التنوع هو الانسجام متعدد الاجزاء للغات المختلفة التي تسمع في ارجاء القارة، وهو تراث ثقافي يصمم الاوروبيون الحاليون على الحفاظ عليه. وهذا التصميم يتجسد في القانون رقم 1 للاتحاد الاوروبي الذي يقول ان اللغة الرسمية لكل دولة عضو في الاتحاد سيتم قبولها كلفة فاعلة في جميع مؤسسات الاتحاد الاوروبي. وحيث ان الاعضاء الـ 15 الحاليين لديهم 11 لغة رسمية مختلفة، فان الالتزام بهذا الامر يعتبر اجراء مكلفاً. فالاتحاد الاوروبي ينفق اكثر من مليون دولار يومياً لتحويل المفردات من لغة الى اخرى. ويوظف الاتحاد حوالي 4.000 مترجم بوظيفة كاملة ناهيك عن برنامج الترجمة الالكترونية العملاق المعروف باسم اي سي ـ سيستران، الذي يستطيع ان ينتج 2000 صفحة ترجمة في الساعة. ولكن المواد التي يترجمها البرنامج تحتاج عادة الى تصحيح من قبل مترجم قبل ان تصبح قابلة للاستخدام. يقود الخليط اللغوي المعقد للاتحاد الاوروبي الى بعض الايام الطويلة التي يقضيها في المكتب ماركو بنديتي، وهو إيطالي ترعرع في فرنسا ويعمل في بلجيكا ويدخن سيجاراً هولنديا صغيرا. يشغل ماركو منصب رئيس «قسم الترجمة الفورية» للمفوضية الاوروبية. وهذا يعني ان عليه ان يوفر مترجمين فوريين في توليفات عديدة من اللغات الرسمية الاحدى عشر لـ 300 اجتماع او اكثر تتم كل اسبوع، خاصة مع احتمال انضمام المزيد من الدول للاتحاد الاوروبي. يقول ماركو ان المشكلة تكمن في توفير مترجمين للغات غير معروفة كثيراً كالاستونية مثلاً، التى قد لا يزيد عدد المتحدثين فيها في العالم على مليون شخص. ومع ذلك، فانه سيحتاج في حال انضمام استونيا الى الاتحاد الاوروبي الى حوالي 40 مترجماً فورياً استونياً. ويضيف ماركو، إن الامم المتحدة لديها ست لغات رسمية فقط. ولن تدفع اي منظمة دولية اخرى الثمن الذي تدفعه مقابل الترجمة الفورية والتحريرية. ولكننا سعداء للقيام بذلك من اجل الحفاظ على تنوعنا الثقافي. ان اوروبا كالاوركسترا، لكن الكمان يبقى هو الكمان. وعلينا ان نضمن بان تتمتع كل اداة موسيقية بصوتها الخاص. ضرار عمير