استقبلت (مؤسسة عبد العزيز سعود البابطين للابداع الشعري) عامها الميلادي الجديد باحتفال اسمته (مئوية الرحيل والميلاد) اي: انقضاء مئة عام بعد رحيل الشاعر الكويتي (عبد الله الفرج) ومولد الشاعر اللبناني امين نخلة، وتخيرت للمشاركة في الاحتفال من كل قطر من اقطار العرب ثلة من صفوة الشعراء والنقاد واستمر احتفالها خمسة ايام متواليات، عقدت فيها ندوات، ودارت محاورات، وانشدت قصائد، وقدمت بحوث، وعرضت فنون، ونوقشت قضايا رفدت الحركة الادبية العربية بروافد غزيرة. ولا ابالغ اذا ادعيت ان هذا الاحتفال كان من اخصب المؤتمرات التي قيض لي ان اشهدها وان اشارك فيها، ولا اغلو اذا زعمت انه كان من اغزرها مدادا، وادقها اعدادا، واحفلها بالابداع والامتاع، واحرصها على الحرية في التفكير والتعبير، وابعدها عن المصانعة والمنازعة. ولا اجانب الحق اذا قلت: ان عبدالعزيز نفسه كان محور الحركة ومصدر الحيوية في ميادين هذه السوق الادبية العربية انشادا ونقدا، واسترفادا ورفدا، فقد كان على كثرة مشاغله الادارية ـ لا يتخلف عن نديّ، ولا يغفل عن ضيف، بل كان يوزع نشاطه الجم على كل ما يدور حوله، ويعطي ويأخذ من كل من يتحدث حوله: يتقبل النقد، ويشارك فيه، وينشد الشعر ويصغي لمنشديه، كأنه احد المدعوين لا الداعي، وأحد المرعيين لا الراعي، حتى بث روح الشباب في الكهول، فنشطوا كما نشط، وجاروه حيثما جرى. لقد امتلأت المئوية امكنة وازمنة بأخصب المحاورات الناقدة، وراحت محاوراتها تتقد ولا تخمد، وتثور كلما اوشكت ان تهمد حتى بعد ان انقضى امد الاحتفال، وحزم القوم حقائبهم للرحيل، ولكنهم لم يحزموا السنتهم، ولم يكفوا عن الجدال، وهم في قاعة التشريفات من مطار الكويت، فلم يشغلهم الحنين الى الوطن، والشوق الى الاهل عن الخوض في مسائل النقد. ولما كان (محك النقد) يتعقب بأذنيه الفضوليتين كل كلمة مهما تدق، وكل نأمة مهما تخفت، فانه وهو قابع في منعرج خفي من خيمة النابغة التي امتدت اطنابها في مطار الكويت ـ كان يتطفل على الحوار بالاذنين لا باللسان، فراح يسترق السمع ليتصيد ما يقال في قضية ادبية كثرت فيها المجادلات، وهذه القضية اثارها فاروق شوشة حينما تساءل، فقال ما معناه واللفظ لمحك النقد: نحن ورثنا الاجناس الادبية واضحة السمات، متميزة الملامح، فاستطعنا ان نميز الارجوزة من القصيدة، والمقامة من الاقصوصة، فمع اي جنس ادبي من هذه الاجناس نضع (قصيدة النثر)؟ انضعها مع المنظوم ام مع المنثور ؟ اهي من القصائد ولو خلت من القافية والوزن ام من الخواطر المنثورة ولو رفت بجناحي الخيال والجمال؟ وما الاسم الذي نسمي به صانعها؟ اهو شاعر من شعراء الحداثة كالسياب ونازك، ام هو كاتب من كتاب النثر الفني كالرافعي والمنفلوطي؟ أمنشئها مبدع يحق له ان يباهي بما ابدع، ام مبتدع يؤخذ بما اجترح وابتدع؟ ما كاد فاروق شوشة يفرغ من اثارة ما اثار حتى انبرى الدكتور مصطفى ناصف لهذه الاسئلة يجيب عنها مجملة مرة، ومفصلة اخرى. وفي جوابه ما فيه من الازراء بالتشويه لا من الاطراء والتنويه. قال ـ واللفظ للمحك ـ ان الذين يسمون هذا الضرب الهجين من القول (قصيدة النثر) يتعمدون خلط الالقاب وتسمية الاشياء باسماء ما انزل الله بها من سلطان ولا ينجم عن هذه التسمية المفتراة الا تداخل الاجناس الادبية، وتداخل الاجناس يفضي الى الفوضى. ثم قال: نحن على النظام احرص منا على الفوضى، وتداخل النظم والنثر في هذه التسمية لا يعني الفوضى في الشكل وحسب، بل يعني الفوضى في الشكل والمضمون، ولهذا فان اهم ما يصم قصيدة النثر ـ اذا سلمنا جدلا بشرعية التسمية ـ هو الفوضى الفكرية، فافكارها لا تمتلك منطق النثر وعمقه، ولا رقة الشعر وسحره، وانما هي نمط من انماط القلق الذي يعرو الادب، وشكل من اشكال التهرب المتعمد من اتخاذ القرار، وتعبير عن الافتقار الى الوضوح في الرؤية. وحينما امسك مصطفى ناصف عن الكلام سأله سائل فقال: أليس في الشعر خاصة، وفي الادب عامة نوع من القلق يراود العقل قبل ان تسلك الفكرة مسلكها من الجنان الى اللسان، ومن العدم الى القلم، او قبل ان ترتدي لبوسها من التعبير والتصوير؟ ففيم ننكر على قصيدة النثر حظها من القلق المفضي الى الطمأنينة، او نصيبها من المخاض المؤدي الى الولادة؟ وعلام نحظر عليها تطلعها الى ابتكار جنس ادبي جديد؟ يخيل الى محك النقد ان الدكتور مصطفى رد ردا سريعا عن هذه الاسئلة بكلام يمكن صوغه على النحو التالي: لو افضى قلقها الى طمأنينة لا يشوبها غموض، او انتهى مخاضها الى مولود غير مخدج، او تطلعها الى ابتكار جنس جدير بالبقاء لاقررناها على القلق والمخاض والتطلع. ان الغرض من التزاوج الانجاب، لكن تزاوج الشعر والنثر في قصيدة النثر ليس له غرض سوى الفوضى. ومن يدافع عن فوضاها كمن يدافع عن اضطراب السير في شوارع القاهرة. ومن يتعلق بها او يعلق عليها الامل كمن يفارق الجدد اللاحب، ويظلع في بنيات الطريق، فيضل ويضل. في هذه الاثناء كان الدكتور محمد عبد المطلب ـ وهو من المنافحين عن قصيدة النثر ـ يتنمر لاقتحام الميدان، لكنه كان يبحث عن باب واسع يدخله مدخل صدق. فلما بلغ الدكتور مصطفى في زرايته بقصيدة النثر هذا المبلغ انفتح مصراعا الباب امامه، فولجه، وهو يقول: نحن لا نعتقد ان الشعر وزن وقافية، وانما هو صيغة فنية شعرية، ابرز ما فيها الخيال المتسربل بالجمال، والابداع القادر على الامتاع، والاحساس المنتقل من المرسل الى المتلقي. ان المتلقي يقرأ النص وعينه متجهة الى فن الصياغة، وقلبه متقلب بين جنبات المشاعر التي خالطت قلب المنشيء قبل ان يبعثها في النص، وللمتلقي الحرية التامة في الحكم للنص او عليه غير مقيد بقيود فنية موروثة كأوزان الخليل وقوافي الاخفش، وغير محتكم الى معاني الشعر ومبانيه، ومتى قيدته بهذه القيود فقد صادرت حريته، والغيت شخصيته، وحرمته نعمة التذوق وملكة النقد، وعلى هذا فان كل متلق ذواقة ولو لم يشحذ ذائقته بموازنة الآمدي واسرار الجرجاني، وان كل متلق ناقد ولو لم يدرس ابن سلام وابن رشيق، ولم يطلع على رمزية الغرب وبنيويته، فالجوهر قلب النص لا قالبه، ومتنه لاصاحبه. استوقفه فاروق شوشة بقوله: نحن ورثنا الشعر، وهو ذو قالب فني مكتمل، وصل الينا بعد ان مر بمراحل متعاقبة من الاراجيز الى المقطعات ومن المقطعات الى المعلقات حتى تمثل لنا خلقا سويا. فكيف نقنع منه بالقلب، ونغفل القالب؟ وكيف ننظر الى الشعر ونهمل الشاعر؟ ولماذا نقرأ القصيد معزولا عمن ترصده حتى تصيده، وقصد اليه حتى قصده؟ ثم كيف نكسر قيود اللعبة الفنية التي تحول الكلام المرسل الى فن متقن؟ واخيرا، كيف يسوغ في افواهنا واسماعنا شعر ليس فيه نغم الشعر، او نثر ليس فيه وقار النثر. وانما هو مخلوق هجين، لا تجد فيه سمات هذا ولا قسمات ذاك، فتحار بم تسميه، وترفض ان تتقبل ما فيه. اختطف الدكتور محمود علي مكي طرف الحديث من يد الدكتور محمد عبد المطلب، وراح يجيب عن الاسئلة بأسلوب ساخر ماكر، فقال: ان الشعر المنثور جنس ثالث، فما هو بشعر ولا بنثر. واحسن ما يمثله هو ان نقيس جنسي الادب بجنسي البشر، فاذا لم نجد في الانسان فحولة الذكر ولا رقة الانثى، قلنا: انه خنثى، والخنثى مصطلح فقهي، فلماذا لا نحمل الادب على الفقه، ونعترف بهذا النمط الخنيث، ونجعله الجنس الثالث من اجناس الادب؟ اعترض الدكتور مصطفى على الاقتراح، وقال: اذا افترضنا ان سكان القاهرة عشرون مليونا من الذكور والاناث فكم خنثى تجد بينهم؟ اجابه الدكتور محمود قد نجد مئة او اقل او اكثر. فرد عليه بقوله: امن اجل الشاذ والنادر والهجين والخديج تكسر قواعد الادب والنقد وتشرع للندرة والشذوذ؟ ان الشذوذ مرض، والمرض يعالج، وكما يعالج التخنث بالهرمونات تعالج قصيدة النثر بان يبث فيها الوزن، فاذا هي شعر، او بان يبث فيها المنطق، فاذا هي نثر. رد عليه الدكتور محمود علي مكي ردا فيه من التجريم والتأثيم فوق ما فيه من الانصاف والاعتراف، فقال: ان الجنس الثالث من البشر قديم، عرفه العرب كما عرفته الشعوب الاخرى، عرفه العرب في غلاميات ابي نواس قبل أن تعرفه اوروبا المعاصرة في خنافس ايطاليا وفرنسا، وهو ناجم عن اضطراب الغدد، وكما اعترفت اوروبا بهذا الجنس الثالث في ميدان الحياة الاجتماعية فان علينا ان نعترف بهذا الجنس الثالث في ميدان الادب والنقد. الم تعلموا ان هؤلاء المخانيث اصبحت لهم نقابات واتحادات؟ الم تسمعوا بالمظاهرات التي اكتسحت ايطاليا احتجاجا على مصرع المخرج المخنث بيير فاسولوني ؟ الم يبلغكم شعارها وهو: الشذوذ الجنسي شيء طيب؟ وما اظن الا ان القاريء قد ادرك كما ادركت ان المحامي يدين موكله، وهذا الدفاع القاتل جرأ الدكتورة نبيلة ابراهيم على اقتحام الميدان، فذكرت ان الاجناس الادبية السابقة مثلت قيما، وقصيدة النثر ليست قيمة في ذاتها، ولهذا حكمت عليها بالضؤولة والفسولة. فلما اسقط في يد عبدالمطلب قال وفي قوله اعتراف بالهزيمة: انها مغامرة فنية فاتيحوا لها مجال التجريب، ثم ارتقبوا ما تتمخض عنه. انتهت المرافعة والقاضي ـ وهو عبد العزيز البابطين ـ متغيب عن الجلسة ويخيل الى محك النقد انه لو كان حاضرا لما ظاهر عبدالمطلب على ناصف ومكي بل نافره، ولحكم على المتهمة ولم يحكم لها. لكن غيابه امهلها حتى تغامر، وما علينا الا ان نترقب ونحن نتشوق الى اخفاق المغامرة او نجاحها، وان نراهن على فساد التجربة او صلاحها، وما اظنها الا مخفقة فاسدة وبائرة كاسدة.