من عالم الكرة الكبير والمثير لم يشدني ويثير انتباهي واعجابي الا ذلك (الكارت الاحمر)، هذا الساحر العجيب الذي يبرزه الحكم في الوقت المناسب ليقول بحزم لهذا اللاعب او ذاك (قف عندك) اذا خرج عن حدود آداب وقوانين اللعبة، وفكرت .. كم نحن بحاجة الى مثل هذا الكارت الاحمر في كل مجال من مجالات حياتنا .. السياسية .. الاجتماعية .. الادارية، في قصر المسئول الكبير .. وفي مكتب الوزير الخطير .. وفي ادارة المدير العظيم، في البيت . وفي الشارع .. وفي اي مكان عام، نريد كارتا احمر .. يخرجه حكم نزيه .. في وجه المخالف ولو كان (مارادونا) الزعيم .. او (مارادونا) الوزير .. او (ماراودنا) المدير .. او اي مارادونا آخر يظن نفسه فوق القوانين وفوق الاعراف . وحتى فوق الأدب او الذوق العام..! والواقع يؤكد اننا نحتاج بشدة الى مثل هذا الكارت، ونحتاج اكثر واكثر الى قوانين ضبط وربط كما قوانين الكرة، لتحمينا من بطش «اللعيبة» الكبار، الذين انتزعوا من الحكم فانلته وصفارته وكروته الصفراء والحمراء ليرفعوها هم في وجه كل من يعارض او يكشف لعبهم المشبوه، والذين لا يؤمنون بفكرة الاعتزال، ولا ينزاحون عن مواقعهم الا بالعزل او الموت .. وسبحان من له الدوام. ـ في البداية لابد من (كارت احمر) شديد الاحمرار لكل زعيم او مسئول سياسي من محترفي الكلام الكبير وارباب التصريح الخطير .. الذي هو لا (في العير ولا في النفير)! نريد كارتا احمر شديد الاحمرار لأولئك الذين يؤكدون لنا في كل حين اننا نمر بمرحلة دقيقة وحاسمة .. واننا اصبحنا على ناصية منعطف خطير .. واننا (في هذه الظروف الحرجة) نحتاج الى توحيد الصفوف .. ودق الدفوف .. استعدادا للعب على المكشوف .. نظرا الى ان (اللي يعيش ياما يشوف)، ومثل هؤلاء يهمهم جدا ان يكون الظرف دائما حرجا ودقيقا، ليظل شغلهم الشاغل هو التحرك والتحريك، وليستمروا في جولاتهم المكوكية .. لشرح خفايا القضية .. وللتأكيد على ابعاد العملية السلمية .. لكل كبير وصغير في اوروبا وآسيا وامريكا اللاتينية ..! ـ مطلوب (كارت أحمر) لكل من عيّن نفسه بنفسه (كبيرا) اكبر من اي قانون .. واكبر من اي نظام، ولانه صار (كبيرا) فلابد ان تخضع له القوانين بدلا من ان يخضع هو لها، فقانون المرور مثلا لم يوضع ـ في عرفه ـ للكبار .. والاشارات ليست الا للصغار، والسير في حدود السرعة القانونية شيء لايدخل في اهتماماته كـ (كبير)، الشارع ملكه ومن حقه ان يسير فيه بالطول وبالعرض .. لانه كبير، وله ـ تفضلا ـ ان يسمح او لا يسمح للصغار بتخطي سيارته لانه ـ وكما يجب ان يعرف الجميع ـ كبير ..! ـ مطلوب كارت احمر لكل مسئول في اي موقع اغلق بابه وفتح اذنيه، رافعا شعار (الله .. الوطن .. الكرسي)، مؤمنا بأن هذا الكرسي ارث شرعي . وحق من حقوق اجداده ثم احفاده، ومن هذا المنطلق (الامتلاكي) فانه (بالتبعية) يعتبر كل من تواجد في منطقة نفوذ هذا الكرسي جزءا من هذا التراث .. يمتلكه ويمتلك حق البيع والشراء في اصحابه، وله على هؤلاء الرعايا حق الخضوع .. وحق الخنوع .. وله منهم حق الطاعة وحق الشكر .. وحق تقبيل الايادي .. او الاكتاف . ايهما اقرب.! الكارت الأحمر لمثل هذا المسئول يجب ان يكون كبيرا .. كبر مقامه، فخيما فخامة موقعه، حتى يكون طرده من ملعب المسئولية .. لائقا بمركزه السامي .. ومناسبا لحجم ملكه المترامي .. سابقا! ـ في مقابل هذا المسئول الكبير .. وكارته الاحمر الكبير، مطلوب كارت احمر صغير .. صغر موظف لاهو هنا ولا هو هناك، باس الارض، وقبّل الأعتاب حتى عينوه كاتبا يتلقى معاملات الناس، او سكرتيرا على باب مدير، وكان ان دارت رأسه حين رأى طوابير المحتاجين تقف ملهوفة على مكتبه الصغير بصغر حجمه، ثم تضخمت عقده عندما شاهد افواج الغلابة اصحاب المعاملات تطوف مكسورة الجناح بموقعه، فعبس وكشر . وشخط ونطر، وعامل الجميع على انهم قطيع، ومثل هذا الكائن (المكلكع) لا علاج له ولحالته الا بكارت احمر يقدم له على طرف حذاء يقذف به الى حيث جاء ! ـ مطلوب من كل مسئول يحترم نفسه ويحترم موقعه القيادي ان يحتفظ في درج مكتبه بمجموعة من الكروت الحمراء، وان تكون لديه القدرة والشجاعة على ابرازها لكل منافق يؤكد له انه احسن مدير في الدنيا .. وانه لولا حكمته البالغة وحنكته الباهرة لخربت المؤسسة او الدائرة، ولكل دساس نصب نفسه مسئولا للمخابرات بين الموظفين ينقل الى المسئول اخبارهم واقوالهم وانفاسهم، متطوعا برأيه الخاص ومتبرعا بنصائحه المجربة من اجل استتباب الامن والاستقرار بين رعاياه الموظفين، ولكل مرؤوس حول مهنته الوظيفية من وضع خدمة الجماهير .. الى وضع ركوب هذه الجماهير وسد كل منافذ الامل في وجهها.! أخيرا .. لو أحصينا اعداد الكروت الحمراء المطلوبة لما انتهى هذا الحصر، فأعداد المخالفين والمتنطعين تتزايد يوما بعد يوم، وملعب الحياة اوسع كثيرا من كل ملاعب الكرة، وقوانين اللعب الكروية الصارمة لانجد ـ للأسف ـ نظيرا لها في ملاعب الحياة، فكل مخالف متنطع يعتبر نفسه (مارادونا) زمانه وكابتن موقعه، سواء اعترف الآخرون بذلك ام اعترضوا، وفي غياب (الكارت الأحمر) المطلوب ستتحول ملاعب الحياة الى (موالد) يختلط فيها اللاعب بالمتفرج . والمحترف بالناشيء . ويصعب فيها التفريق بين الحكم وبائع المرطبات . و .. و .. (مولد يادنيا) .. !!