قبل ايام من عيد رأس السنة الميلادية الماضي احتفلت مدينة فيلادلفيا الامريكية بافتتاح مركز كيميل في شارع برود ستريت، وهو مجمع لحفلات الموسيقى الكلاسيكية بقاعتين بلغت كلفته 265 مليون دولار ليكون البيت الجديد الذي تأوي اليه فرقة فيلادلفيا السيمنونية وغيرها من فرق موسيقى الحجرة والفرق الموسيقية الكلاسيكية الاخرى. ويتمتع هذا المبنى الذي صممه واحد من رواد العمارة الامريكية المعاصرة وهو رفائيل فينولي بكل المقومات التي يفترض توفرها في مركز كهذا سواء على الصعيد الاجتماعي او الناحية التقنية الصوتية. والفكرة المعمارية الرئيسية التي اقام عليها فينولي تصميمه هو وضع قاعات صغيرة وكبيرة بجانب بعضها قبل ان يغطيها كلها بسقف واحد من اقواس زجاجية. وفي النتيجة الاجمالية يصف نقاد الفنون العمل المعماري النهائي في هذا المبنى بأنه ذو طابع محطة قطارات ثقافية، وهي الظاهرة التي برزت في المجتمعات الغربية بعد تحويل محطات القطارات القديمة والتاريخية الى مبان تضم مؤسسات ثقافية مهمة. لكن مركز كيميل في هذه الفئة يحتل مكانة مميزة لايبزه فيها سوى متحف دواورساي الباريسي للفن التشكيلي الذي كان في السابق محطة قطارات ايضاً. وليس من المبالغة القول ان مركز كيميل حينما يضج حيوية بالزوار والحضور وفي حلته الليلية من الانوار كما كان حاله الشهر الماضي حين افتتاحه، يصبح اعجوبة للعين، قبل ان تستمتع به الاذن ايضاً. لقد استعان فينولي بالكثير من الخبرات العالمية لانجاز تصميمه فعلى سبيل المثال قامت مؤسسة معمارية بريطانية بإنشاء السقف الزجاجي الفريد من نوعه اذ ان جانبي مركز كيميل معلقان بكابلات فولاذية مشدودة بأثقال فولاذية ضخمة ليصبح وكأنه ستارة زجاجية لها بعض من الرنين الخفيف اذا ما هبت الريح. وتتسع قاعة فيرزون هول وهي الاكبر داخل المركز 2500 مقعد وتتمتع بجو دافيء وحميمي على نحو متميز بإكسائها من خشب الماهوجني الغامق. واهم ما في الامر حسب قول المسئولين عن المركز، هو انه اثبت ان بإمكان مدينة صغيرة نسبياً مثل فيلادلفيا ان تجمع التمويل الكافي ذاتياً لتبني درة ثقافية لها تضاهي افضل مسارح الموسيقى في العالم. اذ ان 40 في المئة من التمويل فقط اقراض اموال الحكومة المحلية. فإلى جانب الحصة الكبيرة من التكلفة التي تبرع بها الثري ابن المدينة الامريكية، سيدني كيميل، الذي حظي باسم المركز فقد استجاب ابناء المدينة بشكل ايجابي جداً حين طلب التبرعات. ويبدو ان بناء مسارح الموسيقى الكلاسيكية اصبح ميداناً تتنافس فيه مدن العالم لاستقطاب الانظار اليها. ففي العاصمة الايطالية روما يجري العمل الآن على بناء مجمع موسيقي من ثلاث قاعات مصممة بحيث تبدو وكأنها عائلة من ثلاث خنافس حول مسرح دائري مفتوح وهو من تصميم رينزو بيانو. وفي العام المقبل تحتفل مدينة لوس انجلوس الامريكية بافتتاح قاعة والت ديزني السميفونية التي تتسع 2300 مقعد وهو المشروع الذي يديره المعماري فرانك جيري الذي يخطط ايضاً لاجراء عملية تحديث جذرية لمركز لنكولن الموسيقي في نيويورك. وفي مقدمة هذه المشروعات وكنقطة بداية لها يطل مشروع دار برلين فيلهارموني التي صممها الالماني هانز سكارون والتي افتتحت عام 1963 لتكون رمزاً للامل ببرلين موحدة. وحينما تسلم سكارون مهمة تصميم هذه الدار بعد الحرب العالمية الثانية بدأ بتصميمها من الداخل نحو الخارج. وبموقعها الذي كان يحاذي الحدود بين برلين الشرقية والغربية، صارت تشكل «منتدى ثقافياً» يتضمن مكتبة عامة ومتحفاً وطنياً. والعامل الاهم الذي كان وراء نجاح هذه الدار هو المسرح الذي كان ثورة تصميمية في عصره حيث كان اشبه بالمدرج وفي المستويات المختلفة يحيط بالمسرح. ويستمر التصميم انطلاقاً من المركز نحو المحيط على هذا النحو ليكون الشكل الخارجي انعكاساً معدنياً للداخل ذي الشكل الفريد. كانت دار الموسيقى البرلينية هذه واسطة العقد بين اعمال سكارون وخلاصة لفكرة برلين الحرة الموحدة. ومع انهيار جدار برلين وإعادة بناء وسط المدينة عادت الدار لتبرز بشكل طبيعي باعتبارها المركز. ولاتزال بحلتها القديمة الجديدة تبدو افضل بكثير من الناحية المعمارية والجمالية من كثير من الابنية المعاصرة حولها. وعلى عكس احدث منافساتها عهداً، وهي دار اوبرا سيدني، فان دار برلين السيمفونية تحتضن جمالها في الداخل اكثر ما تتبرج به في الخارج.