لم يتبق على إنتهاء معرض القاهرة الدولي للكتاب إلا أياماً معدودات، ينتهي الحدث الذي ننتظره من السنة إلى السنة لكي نري الكتب التي لا نطلع عليها إلا في هذه المناسبة، تلك المطبوعة في المغرب، أو المشرق، للأسف مازال الكتاب يعامل في الأقطار العربية كافة كمشتبه فيه يتلقى معاملة أمنية ورقابية وجمركية، وعندما أقارن أحواله الآن بالقرون الأولى من تاريخنا الإسلامي، العربي، أجد أن الماضي كان أفضل، فلم يكن المخطوط الذي ينسخ في الأزهر يستغرق إلا مسافة الطريق لكي يصل إلى الأندلس أو آسيا الوسطي وعندما أقرأ ما كتبه كبار أدباء العرب عن حياتهم أدهش لتنقلهم بمكتباتهم خلال ترحالهم لا يعترضهم جمرك ويطالبهم بسداد المكوس ولا ينبش في دفاترهم، كان المفكر أو الأديب العربي يحتفظ بكتبه اينما ولي وجهه، ومن أغرب المشاهد التي قرأتها ذلك الذي يصف نقل رفات الفيلسوف الأشهر ابن رشد من مراكش إلى الأندلس، إذ وضعوها على يمين بعير وإلى جانبها الأيسر كتبه التي صنفها، فكانت تعادل من حيث الثقل وزن الرفات على أي حال نسجد شكرا ونحمد الله أن تتاح لنا فرصة في كل عام لكي نري ما يصدر من كتب هنا أو هناك، ومنذ حوالي أربعة عقود لم تكن المعارض معروفة في الوطن العربي بالشكل الذي تقدم به الآن، بالنسبة لنا في مصر كان أشهر مكان تتجمع فيه الكتب سور الأزبكية، ورصيف الجامع الأزهر، وللأول شهرة كبيرة وكان متخصصا في الكتب المستعملة من كافة اللغات، وفي الستينيات بدأ سوق جديد يظهر في القاهرة، عندما بدأت دار الكاتب العربي التابعة للدولة تقيم سرداقا في ميدان سيدنا الحسين، المركز الروحي لمصر عامة، وللقاهرة خاصة في شهر رمضان من كل عام، وكان يضم أقساما لدور النشر الكبرى، مثل دار المعارف ، ودار الهلال، والأهرام، وبعض المكتبات العتيقة التي يرجع تاريخ بعضها إلى القرن التاسع عشر مثل مكتبة مصطفي الحلبي، والخانجي، وغيرهما . كان السرادق فرصة لرؤية كتب دور النشر المصرية مجتمعة، كان يضم ذلك السرادق الجميل من قماش الخيم المشغول ذو الألوان المبهجة . حمراء وخضراء وصفراء وزرقاء في تشكيلات عربية جميلة، والغريب أن مثل هذه السرادقات تستخدم لاقامة الأفراح في المناطق القاهرية العتيقة، وللمآتم أيضا حيث تقام ليالي العزاء، أذكر بعض ما اقتنيته من تلك المعارض الأولى، في عام خمسة وستين من القرن الماضي أعادت دار الكتاب المصري إستنساخ طبعات دار الكتب المصرية التي صدرت في النصف الأول من القرن العشرين، وقدمت من خلالها أمهات التراث العربي، مثل « الأغاني» للأصفهاني، والذي كان طبع منه حتى ذلك الوقت أربعة عشر مجلدا، وصبح الأعشي في «صناعة الإنشا» للقلقشندي في ستة عشر جزءا و«النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة» « لابن تغري بردي في اثني عشر جزءا، و« مسالك الأبصار » لابن فضل الله العربي، وهذا الكتاب الموسوعة لم يكتمل تحقيقه وطبعه حتى الآن، كان الجزء الواحد يباع وقتذاك بعشرين قرشا، أي أن مجلدات الأغاني كان ثمنها جنيهان وثمانين قرشا، ولكي ندرك الفرق بين ما كان وما يكون، فهذه المجلدات يتجاوز سعرها الآن في سوق الكتب الستمئة جنيه. أقيم أول معرض للكتاب أتخذ شكلا رسميا عام ثمانية وستين، عندما كان يرأس دار الكتاب العربي - التي أصبح أسمها فيما بعد الهيئة المصرية العامة للكتاب- الكاتب والمفكر محمود أمين العالم . وكان الإفتتاح يتم من خلال حضور وزير الثقافة - د. ثروت عكاشة - وكبار المسئولين في الوزارة وعدد من المثقفين، كان المعرض يقام في أرض المعارض بالجزيرة حيث توجد دار الأوبرا الآن، وكان في البداية قاصرا على دور النشر المصرية، ثم ظهرت دور النشر العربية وأتيح لنا أن نرى أجنحة الدور الشهيرة مباشرة بدون وسيط وفي السبعينيات أصبح المعرض ساحة لاعلان مواقف المثقفين وشهد تظاهرات هامة تأييدا للقضية الفلسطينية وضد السياسة الإسرائيلية في ذلك الوقت كنا نحمل اعلام فلسطين مطبوعة على ورق يلصق على الجدار أو توزع على الجمهور ، وفي عهد الرئيس السادات بدأ تقليد لقاء الرئيس بكبار المثقفين والأدباء، وكان العدد في البداية محدودا لا يتجاوز العشرين، ثم بدأ يزداد في كل عام، في بداية الثمانينيات انتقل المعرض إلى مدينة نصر، حيث أرض المعارض التي تشبه مدينة صغيرة، وعرف المعرض نشاطا ثقافيا مكثفا وهذا ما تتميز به المعارض في الغرب التي يعد معرض فرانكفورت أكبرها وأشهرها، وفيه تتم التعاقدات بين الناشرين، واستعراض فنون التطورات الحديثة في الكتاب، ويخصص كل عام لمناقشة قضية معينة وللاحتفاء بثقافة معينة، ويجري الآن الاستعداد للإحتفال بالثقافة العربية عام 2004، أي بعد عامين من الآن، وعلى الرغم من أنني لم أحضر معرض فرانكفورت إلا أنني أحمل له ذكرى طيبة، فقد تم توقيع عقد ترجمة روايتي «الزيني بركات» إلى الإنجليزية وصدورها في مطبوعات بنجوين الشهيرة في عام ستة وثمانين، وكانت الترجمة الفرنسية قد صدرت في يناير عام خمسة وثمانين، وتسلمت النسخة الأولى من هذه الترجمة في نفس اليوم الذي أعلنت فيه جائزة نوبل لنجيب محفوظ. في فرنسا يقام سنويا ستة وستين معرضا للكتاب، أكبرها وأكثرها شهرة معرض الكتاب في باريس ويقام في مارس من كل عام، وإلى جانب التعاقدات بين دور النشر يتم البيع للجمهور ومثل كل المعارض في أوروبا يشهد أنشطة ثقافية موازية، أتيح لي أن أشهد عدة معارض في فرنسا وأن أدعى مع الأدباء والكتاب لتعدد الأعمال التي ترجمت لي إلى الفرنسية والتي تبلغ حتى الآن عشرة كتب، ولوجود الناشر الرئيسي لأعمالي في باريس، دار «لوسوي» ، وتتولى الإتفاق على أعمالي إلى كافة اللغات، أي أنها تقوم بالنسبة لي بدور الوكيل، وهذا ما يفتقده الأدباء العرب . شاركت في معرض أقيم بمدينة صغيرة بجنوب فرنسا عام ستة وتسعين، أسمها « فوفو» يبلغ عدد سكانها ستة آلاف نسمة ، ولكن المعرض هدف لسكان المدن القريبة، بما في ذلك مدينة « اكس آن بروفنس» الجامعية، وتقع « فوفو» في سهل فسيح يقوم عند حده الجنوبي جبل شهير يضم قمة أشهر تعرف بسانت فكتوار، وسبب الشهرة أن سيزان الرسام التأثيري المعروف رسمها في لوحاته عدة مرات، مازلت أذكر افتتاح المعرض بعروض فولكلورية تمتد إلى الجنوب الفرنسي « البروفنسال» ،وشاركت في معرض يقام سنويا في الربيع، بمدينة سان مالو، التي تطل على المحيط الأطلنطي في مقاطعة بريتاني، ويقام هذا المعرض سنويا تحت عنوان « الرحالة » وفيه رأيت لأول مرة القطار المخصص للأدباء، حيث ينقلهم من باريس نقطة التجمع ويعود بهم بعد إنتهاء المعرض،وفيه رأيت أكثر من مئتي كاتب فرنسي، روائيين، وأدباء متخصصين في قصص الأطفال، ومؤرخين، ونقاد، والمعارض هناك تقام لترويج الكتاب، وأحد وسائل الترويج تواجد الكتاب أنفسهم، وتعلن كل دار نشر عن وجود أدبائها وكتابها بتعليق صورهم ، وتخصيص أوقات معينة لكل كاتب، يعلن عنها مقدما يلتقي خلالها بالجمهور، الذي يتطلع كل فرد فيه إلى اقتناء الكتاب الذي يفضله والحصول على توقيع الكاتب، ولتوقيع الكاتب هنا شأن عظيم، وهذا تقليد لم نعتده نحن الأدباء العرب، وعندما صدرت الترجمة الفرنسية لروايتي الأولى «الزيني بركات» عرضت دار النشر حضوري في بعض مكتبات باريس للتوقيع، أي تخصص لي منضدة عليها نسخ من كتابي ويتم الاعلان عن تواجدي بهذه المكتبة أو تلك بوسائل اعلامية مختلفة، ويجيء الجمهور للحصول على الكتاب ممهورا بالتوقيع، في ذلك الوقت إعتذرت مدفوعا بخجلي عند مواجهة الآخرين، ولاستنكاري الداخلي فكرة أن يروج الكاتب بيع مؤلفاته بنفسه، لم أكن أعرف أن هذا تقليد أصيل في الحياة الثقافية الفرنسية، وأن كبار الأدباء يقدمون عليه تماما مثل صغارهم إلى أن شاركت في معرض للكتاب أقيم في مدينة بوردو، وفوجئت أن البرنامج يتضمن أوقاتا محددة لي للتوقيع وهكذا التقيت بالقراء الفرنسيين وجها لوجه ومدفوعا بالكرم العربي لم أكن أكتف بالتوقيع فقط، إنما كنت أسأل عن إسم القارئ أو القارئة وأكتب إليه إهداء شخصيا، أي أذكر أسمه مع عبارة مثل «مع مودتي» أو «مع احترامي » ولعل مع زملائي العرب أدخلنا هذا التقليد إلى المعارض الفرنسية وإلى حفلات التوقيع . شاركت في معرض يقام بمدينة «سانت إيتان» بوسط فرنسا، وكان حفل الإفتتاح بمثابة كرنفال، عرضت فيه مسرحية « فاوست» لجوتة بإسلوب مسرح القرون الوسطي، وأطلقت آلاف البالونات في الهواء بألوان العلم المصري الثلاثة، أحمر وأبيض وأسود . لأن مصر كانت ضيف شرف هذا المعرض الذي أقيم في نوفمبر العام الماضي، مثل كل المعارض في فرنسا، يصبح المعرض هو الحدث الرئيسي في المدينة، المسئول عن المعارض في فرنسا البلديات، أي المحليات كما نسميها في مصر لكن عمد المدن ورؤساء بلدياتها هناك يتم إنتخابهم، ولذلك تتنوع البلديات طبقا للحزب الذي فاز في الإنتخابات، يبدو غريبا بالنسبة لنا نحن القادمين من الوطن العربي أن نسمع عبارة مثل « هذه المدينة يحكمها الشيوعيون » «هذه يحكمها الاشتراكيون» إلى غير ذلك من إتجاهات، لكن الأغرب أن نظام إنتخاب البلديات كان معمولا به في مصر خلال العصر الملكي ، وبالذات في العشرينيات من القرن الماضي، ثم ألغي ذلك، اصبح تعيين المحافظين ورؤساء المدن من القاهرة، البلديات هناك ميزانياتها ضخمة، ومستقلة، ويمكن لمدينة صغيرة أو قرية أن تدعو أكبر أدباء العالم من أي جهة، وأن تقيم معرضا دوليا، ولكل مؤسسة في فرنسا ميزانية خاصة بالنشاط الثقافي، أتيح لي أن أشارك في معرض للكتب نظمته مؤسسة حكومية تابعة لوزارة الزراعة، أي مزرعة تجريبية في جبال الأرداش بوسط فرنسا، من المعارض الكبرى التي شاركت أنشطتها معرض « تورينو » بإيطاليا، وقد خصص نشاطه الثقافي العام قبل الماضي للثقافة العربية، ومعارض أخرى في موسكو، وبودابست، وهولندا، أما في الوطن العربي، فشاركت في معرض الشارقة الذي يتميز بالتنظيم الدقيق، ويتم من خلاله دعم وتشجيع الناشرين بشراء مطبوعاتهم للمكتبات العامة والهيئات المختلفة ومعرض دمشق الدولي، ومعرض الكتاب في مسقط بعمان، ومعرض صنعاء، ورغم تنوع الأنشطة والظروف، إلا أن ما يجمع هذه المعارض كلها، الاحتفاء بالكتاب الذي سيظل وسيلة المعرفة الاساسية، سواء كان مطبوعا أو مضغوطا في أقراص . وأتاحت لي مشاركتي المتعددة تلك في لقاء قراء لا أعرفهم وكتابة عبارة «مع مودتي واحترامي» لاناس حرصوا على تحيتي بإقتناء ما أكتبه.