في احدى المستشفيات بمنطقة الهرم يعيش المخرج السينمائي الكبير عاطف سالم وحيدا مع ذكرياته بعد أن انصرفت من حوله الاضواء على اثر اصابته بجلطة منذ أكثر من عامين اثناء تصويره لفيلم «فارس ضهر الخيل» حيث اضطر لوقف العمل الى أن نجح في اتمامه وهو جالس على كرسي متحرك بعد أن تسببت الجلطة في اصابته بشلل نصفي. والمخرج عاطف سالم يخضع حاليا لجلسات مكثفة من العلاج الطبيعي ولكنه يريد أن يترك المستشفى ويتجه الى مركز التأهيل المهني للقوات المسلحة بمنطقة العجوزة حيث تتوافر هناك الاجهزة الطبية الحديثة والتي من الممكن على حد تعبيره مساعدته على الشفاء والعودة مرة أخرى لحياة الأضواء والوقوف خلف الكاميرا التي عشقها والتي قدم من خلالها كماً هائلاً من الافلام السينمائية التي تعد من علامات السينما المصرية. داخل حجرته بالمستشفى يجلس عاطف سالم وحيدا لا يفعل شيئا سوى مشاهدة التلفزيون أو قراءة الصحف والمجلات وأحيانا تدمع عيناه وهو يتذكر شريط ذكرياته عندما يأتي لزيارته أحد من جمهوره وعشاق فنه ليقدم له باقة ورد.. أو قالب حلوى.. أو ليلتقط معه صورة تذكارية. لا أحد يسأل عني في البداية يقول عاطف سالم انه لا يتصور كيف لا يتذكره أحد خاصة عندما يعرض التلفزيون في سهراته المختلفة أفلامه الشهيرة فمثلا هل نسى الناس أفلام السبع بنات و الراعية والحسناء و دموع صاحبة الجلالة و خياط السيدات و خان الخليلي و الحقيقة العارية و المماليك و الحفيد و الحرمان و حد السيف وحافية على جسر الذهب. وتمضي فترة صمت يقول بعدها عاطف سالم: طبعا لا أتذكر كل ماقدمته من أفلام صنعت من خلالها عشرات النجوم الذين بكل اسف يتنكرون لي اليوم ولا أحد منهم يسأل عني رغم انني لست بحاجة الى مساعدتهم ولكن زيارة المريض صدقة وتخفف عنه الامه وتنسيه متاعبه النفسية وأنا عشت طوال عمري أعشق المرح وأكره النكد وكانت الابتسامة لا تفارق وجهي أبدا فكيف أتحمل كل هذا الجحود الآن من تلاميذي وزملائي وأصدقائي؟ ـ قلت له بصوت عال محاولا تخفيف ألامه: وأنت تتحدث عن أشهر أفلامك نسيت أن تتحدث عن فيلم توت توت والبؤساء و بنات في الجامعة و أين عقلي وأم العروسة ؟ ـ يبتسم عاطف سالم ابتسامة خفيفة ويقول بعد أن أطلق تنهيدة كبيرة: ذكرتني بأيام الراحلة العزيزة شقيقتي تحية كاريوكا من المؤكد أنها لو عاشت ليومنا وشاهدتني على هذه الصورة ماكانت لتتركني أعاني في وحدتي فهذه السيدة بمليون رجل ولكن هكذا الدنيا عبارة عن شجرة تتساقط أوراقها تباعا! وأنتقل بحواري معه وأسأله: ـ ومن يزورك من الأسرة؟ ـ ليس لي سوى ابنة واحدة بعد أن رحلت ابنتي الأخرى منذ عدة سنوات وهي تعيش خارج مصر ولكن حفيدتي تزورني بصفة دائمة ومعها بعض الأقارب والأصدقاء الذين كانوا يجلسون معي في نادي السيارات وجيراني في الحي الذي كنت أعيش به بمنطقة وسط القاهرة. وأقترب من عاطف سالم وأسأله: وفجأة دمعت عينا عاطف سالم وهو يقول: الحمد لله مستورة ياابني هناك معاش من نقابة السينمائيين وحفيدتي أيضا تعطيني كل ماأحتاجه ومن يأتي لزيارتي يقدمون لي بعض الهدايا. ـ هل تستمع لأغاني الشباب وتشاهد أفلامهم من خلال شاشة التلفزيون؟ ـ أنا أستمع وأشاهد أغاني وأفلاما كثيرة للنجوم الجدد ولكنني لا أتذكر منها شيئا ربما أصبحت الذاكرة عندي ضعيفة ولكنني أتعجب في أحيان كثيرة عندما أجدني أتذكر أغاني لعبدالحليم حافظ وأم كلثوم وعبدالوهاب وفريد الأطرش فأشعر بأن عقلي لا يزال سليما وقادرا على العطاء.. ياناس ياهووه احترموا عقلية الجمهور الذي يتابع أعمالكم ويدفع لكم من دمه أعلى الأجور! أمنياتي ـ ماذا يتمنى المخرج عاطف سالم على المستويين الشخصي والفني؟ ـ على المستوى الشخصي أتمنى أن أسترد صحتي وقدرتي على السير بمفردي حتى لا أتسبب في أزعاج الذين يقومون على خدمتي.. أما على المستوي الفني فأنا ضميري مرتاح لأنني انهيت رسالتي وقدمت رغم ظروفي الصحية الصعبة أخر اعمالي السينمائية فارس ضهر الخيل وأنا على كرسي متحرك في صحراء العلمين وكانت الأحوال الجوية سيئة بسبب فصل الشتاء ورفضت التأجيل وطلبت من مساعدي شعبان ابراهيم أن يقوم بوضعي داخل بطانية صوف سميكة ونزلت ودارت الكاميرا وصورت أكثر من 45% من أحداث الفيلم وسط حماس وتشجيع أهالي محافظة مرسى مطروح وكانت سعادتي بالغة لالتفاف الناس حولي وشعرت بدفء الحياة ووعدني كل نجوم الفيلم مع اخر لقطة صورتها بأنهم لن يتخلوا عن السؤال عني ثم وضع كل منهم قبلة على وجهي وعادوا الى القاهرة ولم أسمع حتى الآن صوتا واحدا من خلال الهاتف يقول لي: أنت فين ياعاطف وأخبارك أيه وهل تريد شيئا أم لا وبكل أسف أقول انني حزين على عدم وجود وفاء أو حب في الوسط الفني والله يرحم أيام الزمن الجميل. ويأخذ عاطف سالم رشفة من كوب ماء بجواره ويقول: لا أدري لماذا لا يقام أسبوع لأفلام عاطف سالم فهناك عشرات الأفلام التي لن تتكرر مرة أخرى في تاريخ السينما المصرية مثل جعلوني مجرما و احنا التلامذة و السيرك و ثورة اليمن و قاهر الظلام و النمر الأسود و العش الهادئ و رابعة العدوية و سنة أولى حب و مضى قطار العمر و صراع في النيل و شاطئ الأسرار وغيرها من الأفلام التي لا أتذكرها الآن.. ولكن يبدو أنني أصبحت صوت من الماضي لا أحد يريد أن يستمع اليه! وتسقط دموع المخرج الكبير عاطف سالم وأجدني مضطرا للانسحاب في هدوء لأترك الرجل يردد في صمت عبارته الشهيرة ضاع العمر ياولدي قبل أن ينسى انه هو نفسه صاحب هذه العبارة التي اختارها لتكون عنوانا لأحد أفلامه في الثمانينيات ولابد وقتها انه كان لا يتصور انه سيردد ليل نهار تلك المقولة وهو ينتظر أن تأتيه معجزة من السماء تنقذه من هذا الزمن الرديء! القاهرة ـ مكتب «البيان»:
