نسمع كثيرا بمصطلح «حضانة» الذي يرتبط على الفور بكلمة «اطفال» لكننا ربما لم نسمع من قبل بحضانة خاصة بالفيلة. غير ان هذا هو بالفعل ما تقوم به دكتورة دافني شيلدريك في حضانة الفيلة بحديقة نيروبي الوطنية، التي لاتبعد سوى اقل من نصف ساعة بالسيارة عن قلب العاصمة الكينية وتضم هذه الحضانة 20 فيلا او نحو ذلك من صغار الفيلة، التي تتراوح اعمارها بين سنة وثماني سنوات، حيث تتم اعادة تأهيلها للعودة الى الحياة البرية من قبل فريق دافني، الذي يكرس جهده لرعاية الفيلة اليتيمة، والذي يتخذ من حديقة تسافو الوطنية الشرقية الواقعة على بعد 180 ميلا الى الجنوب مقرا له. خلال حوالي 42 عاما، كانت دكتورة دافني شيلدريك الأم بالتبني لأكثر من 45 فيلاً يتيماً، والعديد من صغار الكركدن الأسود والكثير من أنواع الحيوانات الأخرى. ولا يوجد أي يتم آخر كهذا في أفريقيا. وعندما يحين موعد الطعام، تخفق آذان الفيلة مرفرفة بابتهاج، مثل أجنحة الفراشة البنية العملاقة، ويطرق آذان البشر ضجيح وصخب وأصوات تصدر عن الفيلة استعداداً للوجبة المقبلة. وحتى أصغر الفيلة يجب أن يحصل على جالونين وربع الجالون من بدائل الحليب كل يوم وإلا فإنها تبدأ في التعرض للجفاف السريع وتتردى صحتها. وعلى الرغم من ضخامتها، إلا أن هذه الفيلة الصغيرة تعتبر مخلوقات ضعيفة، فهي تستسلم بسهولة للأمراض المعوية والإصابات الأخرى، ويمكن أن تنفق سريعاً، إذا تم تعريض جهاز مناعتها للخطر. طوال عقود مضت، كان يعتبر من المستحيل تربية فيل لم يفطم بنجاح، فتغذية هؤلاء الصغار على حليب البقر كان كحكم بالإعدام عليها، بسبب الاضطرابات المعوية التي يسببها لها. ولكن في عام 1987، وقعت دافني على مستحضر، يعتمد على دهون جوز الهند، يشبه حليب الفيلة الى حد كبير، وكان هذا المستحضر المسمى «اس 26» البديل المثالي تقريباً التي كانت تبحث عنه. وتقول دافني بهذا الخصوص: «كافحت لمدة 28 عاماً للوصول الى ذلك الهدف. وأول فيل ربيته بنجاح على الحليب الجديد كان أولميج». وهو يبلغ الآن 15 عاماً، ويعيش بحرية في حديقة تسافو الوطنية. كان الطريق صعباً على دافني في تعلّم الفن والعلم الدقيقين الخاصين بتربية الفيلة اليتيمة. وبعد خبرة 40 عاماً، تبدو مقتنعة بوجود عناصر تشابه مذهلة بين الإنسان والفيلة. وتقول دافني حول هذا الأمر: «تنمو الفيلة عاطفياً ونفسياً واجتماعياً بسرعة نمو الانسان. وهي حيوانات ذكية للغاية، ولديها ذاكرة استثنائية، وتنقل المعرفة من جيل إلى آخر. وفي أي عمر يماثل الفيل إنساناً في العمر نفسه، وهي مثلنا لديها متوسط عمر يبلغ 70 عاماً». وفي الحضانة، تنهمك دافني وابنتاها، جيل وانجيلا، الآن في الإدارة والقيام بالحملات وجمع التبرعات لعملهن بحيث انه لم يعد بمقدورهن الانخراط بحميمية في الحياة اليومية لأبنائهن بالتبني. وعوضاً عن ذلك، فإن هناك موظفين أفريقيين على الأقل يقومان برعاية كل صغير، وصلة المحبة والارتباط التي تنشأ بينهم واضحة جداً. وتقول دافني إن الفيلة تختار من يقوم برعايتها، ويتعين على من سيرعاها ان يحبها من الأعماق، فهي تستطيع ان تقرأ الأفكار. يقضي الأشخاص الموكلون برعاية الفيلة النهار كله في الحديقة مع الفيلة الصغيرة، ولا يكتفون بحراستها، وانما يقومون أيضاً بمساعدتها على تعلّم أي الأطعمة أفضل لتتناولها، وأن تصبح واثقة من بعضها البعض، وان تتعرف على مناظر الغابة وأصواتها وروائحها تماماً مثلما كانت ستفعل أمهاتها الطبيعية. وفي الساعة السادسة مساء كل يوم، تشق الفيلة الصغيرة طريقها من الغابة الى الحضانة، حيث يفرش كل اسطبل بطبقة سميكة من القش الجديد، وحيث تكون آمنة من الأسود واللبؤات التي تجوب المنطقة المجاورة بالليل، وبعد وجبة اخرى من الحليب، تجلس الفيلة بجوار حارسها المفضل، وكل منها مغطى ببطانية حتى الصباح، عندما يشق القطيع الصغير طريقه مجددا نحو الغابة. وتماما مثل الاطفال، فان بعض الفيلة الصغيرة تنام نوما عميقا، بينما تصاب اخرى بالقلق وتحتاج لاهتمام دائم حتى تستغرق في نومها، وتعتقد دافني ان الامر غالبا ما يحتاج الى اشهر عديدة، حتى يتخطى الفيل اليتيم الحزن والصدمة العاطفية التي تلقاها عندما رأى امه واحبابه يقتلون امام عينيه، وتقطع انيابهم بالفؤوس، او حتى بالمناشير. احد النزلاء الآخرين في هذه الحضانة الواقعة وسط الادغال هو يتيم صغير من الكركدن الاسود يدعى «ماكوسا». وعندما وصل الى الحضانة بعمر ثمانية اشهر، كان قد بدأ قرنه الاول بالنمو، وكان يحتاج الى وجبات منتظمة بالقنينة والآن بعد ان اصبح عمره اكثر من عامين، يمكن القول انه حيوان مستقل ومفطوم. وفي كل يوم وعلى وجه التحديد قبيل الظهر، يتوافد المئات من تلامذة المدارس والزوار المحليين والاجانب على الحضانة، لمشاهدة عملية الارضاع، ورؤية الفيلة والكركدنات وهي تتمرغ في الطين امام منزل دافني. تتحول الحضانة بسرعة الى عنصر جذب سياحي رئيسي في كينيا، اذ يوظف عشرة حراس و 25 موظفا آخر في حديقة تسافو الوطنية الشرقية حيث تذهب الفيلة الصغيرة عندما يصبح عمرها اكثر من عام وتغدو لائقة وقوية. يقول نفتالي كيو، المدير المساعد لحديقة تسافو الوطنية الشرقية ان «عمل دافني في انقاذ الفيلة والكركدن واعادتها للحديقة يعتبر خطوة كبيرة نحو الحفاظ عليها. الصينيون لديهم مثل يقول ان اطول الرحلات يجب ان تبدأ بخطوة واحدة. فاذا اردت ان تنقذ الوف الفيلة، فعليك ان تبدأ بالفيل الاول. ضرار عمير