تبدو مياه بحيرة نيوس في شمال غربي الكاميرون هادئة، وديعة، تسر الناظرين، لكن الانطباع الذهني الذي يكونه المرء عنها للوهلة الاولى تتغير عندما يشم رائحة سيل ثاني اكسيد الكربون المترفق مع فقاعات الماء من فوهة انبوب متين ينبثق من قلب البحيرة. فبحيرة نيوس هذه التي تتخذ شكلاً بيضويا قطره كيلومترات تتميز بدفئها وسكونها وهي محاطة بجروف صخرية جرانيتية وحقول ذرة ومنحدرات عشبية حادة لكن غاز ثاني اكسيد الكربون وهو منتج ثانوي للنشاط البركاني في الصخور التحتية يتسرب من دون انقطاع الى اعماق نيوس على مسافة 200 متر تحت سطح الماء، وهناك ينحل هذا الغاز متراكماً بمرور السنين حتى يستثيره منبه ما ليفور بقوة هائلة من المحلول الكربوني وعندها تتفجر البحيرة. وهذا بالضبط ما حدث في عام 1986 حيث كان الانفجار هائلاً لدرجة ان العديد من السكان المحليين ظنوا ان قنبلة نووية انفجرت، تحولت مياه البحيرة الى اللون الاحمر بسبب ارتفاع الحديد المنحل الى السطح وانطلقت كتلة عظيمة من ثاني اكسيد الكربون لتجتاح المدينة خانقة كل من صادفت في طريقها على مسافة عشرين كيلومتراً، وقتل في هذه الفورة الكربونية اكثر من 1700 شخص. لقد كان الانفجار مفاجأة رهيبة للجميع لكن سرعان ما تدفق العلماء بعد ذلك الى شواطيء البحيرة لاستنباط ما حدث بالضبط. وكيف يمكن منع حدوثه مجدداً، والآن يعسكر في المكان فريق دولي من الباحثين لاطلاق اقوى رصاصة في حوزتهم للقضاء على الوحش الرابض في اعماق البحيرة، وقام هؤلاء بانزال خرطوم اسود الى اعماق البحيرة لامتصاص ثاني اكسيد الكربون، وبالتالي تنفيس الضغط المتنامي، ورغم عدم وجود اجماع علمي حتى الآن على ان هذا هو الحل للمشكلة، لكن يبدو ان تجريبه عمليا هو الطريقة الوحيدة لمعرفة فعاليته. وفي عام 1995 قدم الى المنطقة المهندس والفيزيائي الفرنسي ميشال هالبواش على رأس فريق دولي لتجريب نموذج أولي يشبه الى حد كبير الانبوب المستخدم الآن، ولقد عمل الخرطوم بشكل جيد حيث شفط الماء والغاز من قاع البحيرة سامحاً للماء بالسقوط ثانية الى البحيرة، وللغاز بالانفلات الى الهواء، لكن في ذلك الحين لم يكن احد يعرف مدى سلامة هذا الاسلوب او مدى تأثيره في منع حدوث انفجار تال، ولذلك تم ايقاف الشفط الى ان تجري دراسات اضافية. يقذف الانبوب الى الهواء في كل ثانية 60 لتراً من الماء و600 لتر من ثاني اكسيد الكربون، اي ما يعادل 20 مليون متر مكعب من الغاز بالسنة. واذا واصل هذا الانبوب وحده العمل على مدى العام فإنه سيصرف تقريبا كمية الغاز نفسها التي تتسرب الى البحيرة نتيجة النشاط البركاني في الصخور الباطنية وهذا يعني ان تركيز الماء سيبقى ثابتا. لكن هذا ليس كافياً لجعل البحيرة آمنة حقا. ويخطط هالبواش لتركيب اربعة انابيب اخرى هذا العام لتخليص البحيرة من غازها القاتل في غضون خمسة اعوام، لكن يتعين على الفريق اولا اثبات جدوى استخدام الانبوب الحالي. واتباع هذا النهج الجديد في بحيرة يعتبرها الكثيرون اشبه بلغم ارضي قابل للانفجار بتأثير اي محرض خارجي. وفي الحقيقة فإن القنبلة الكربونية قد تنفجر حتى بدون محرض خارجي، فاذا وصلت مستويات ثاني اكسيد الكربون في الماء الى درجة الاشباع، او اذا اصبح الماء ساخنا الى درجة مفرطة، عندها سيفور الغاز بقوة الى السطح، كما ان اي انزلاق صخري قوي في البحيرة ربما يرفع مياه القاع الى السطح، اي من هذين السببين ربما يكون وراء انفجار 1986 لكن معظم الباحثين يرجحون نظرية الانزلاق الصخري. على اي حال لاتزال بحيرة نيوس مصدر خطر كامن وقد كانت القوات المسلحة الكاميرونية تزود مخيم الابحاث بعبوات اوكسجين واجهزة تنفس تحسباً لانحباس ثاني اكسيد الكربون في البحيرة في انفجار كبير مماثل، لكنهم توقفوا عن تقديم هذه الاحتياطات منذ فترة لعدة اسباب منها ان الانفجار قد يكون عنيفاً جداً بحيث ان التنفس لن يكون المشكلة الوحيدة للواقفين بالجوار. لكن لا يبدو ان هذا يزعج السكان المحليين الذين عادوا الى مزارعهم واراضيهم الخصبة حول نيوس بعد ان اخرجوا منها بقرار من الحكومة تحسباً لاخطار انفجارات تالية محتملة. وقد قام فريق يتولى رئاسته عالم الايكولوجيا والكيمياء جورج كلينج في جامعة متيشيجان الامريكية بتركيب محطة مراقبة لمستويات ثاني اكسيد الكربون قرب البحيرة تستطيع استكشاف اثار وجود الغاز الى حدود تركيز 05 بالمئة في الجو علما ان تركيز ثاني اكسيد الكربون وصل الى 20 ـ 30 بالمئة في حادثة 1986. ويأمل الباحثون ان هذا الاجراء الاحترازي سيضمن اعطاء انذار مبكر يتيح تلافي النتائج الكارثية التي نجمت عن انفجار عام 1986. في حال صحا وحش الكربون الرابض في اعماق البحيرة قبل ايجاد حل مثالي للمشكلة التي تؤرق السكان المحليين والحكومة الكاميرونية التي ترى ان من واجبها تجنب وقوع الكارثة مجدداً ويأمل العلماء ان ينجح اسلوب تنفيس ثاني اكسيد الكربون في الحفاظ على توازن تركيز الغاز في البحيرة الآن على الاقل الى ان يتم حل المشكلة جذرياً باستنزاف كل كميات الغاز الرابضة في القاع. علي محمد