يعدنا بعض الباحثين باننا سنتمكن قريبا من تحقيق حلم قديم: بناء روبوتات ذكية، وحساسة، وواعية. ولكن، هل يمكن تصديق مثل هذه التنبؤات؟ لا شيء البتة يؤكد ذلك. «ديفيد» هو بطل «آي. اي» الذكاء الصنعي، آخر افلام «ستفن سبيلبيرج» خريف 2001. شعره اشقر وعيناه صافيتان يحب امه ودبه المصنوع من المخمل يخاف الوحدة والموت. لكن ديفيد ليس طفلا كالآخرين: انه روبوت، آلة برمجها علماء مستقبليون لتكون موهوبة بالذكاء، والمشاعر، والوعي. يرى بعض اختصاصيي الذكاء الصنعي ان ديفيد هو مع ذلك اكثر من الشخصية الخيالية لعمل ينتمي الى عالم الخيال العلمي: اعتقد ان الاوتومات، البشري الصفات، والآلات الذكية الاخرى في فيلم «آي. اي» تمثل استباقا علميا واقعيا جدا، على حد عبارة الباحث الامريكي، راموند كورزويل. مع ذلك، تبدو الآلات التي يمكن ان نراها في المركز الروبوتي الامريكي، الذي يتصدر الابحاث العالمية، غير ملفتة كثيرا بالمقارنة مع ابطال الفيلم الميكانيكيين، فمثلا، الروبوت الشهير كيسمت، الذي ابتكرته اخصاصية الروبوتيات، سينثيا برينزيال، قادر على تكييف وضعية جفنيه، وحاجبيه، واذنيه، وشفتيه، مع التعبير الذي يحلله لدى محاوريه. يمكن ان يبدو بناء روبوت مثل ديفيد خارج متناول الروبوتيين تماما في الوقت الراهن، لا تتمتع الآلات الحالية بدقة ولا بقوة الذهن التي نبرهن عنها نحن البشر، ولكن، سنكون في غضون بعض عشرات من السنين قادرين على ان نضع موضع التطبيق هذا الذكاء، هذا الانفعال، وحتى هذا الوعي في حامل غير بيولوجي، على حد عبارة رايموند كورزويل. وعود وآمال في كتابه الذي لم ينشر بعد، وعنوانه التفرد قريب، يدقق كورزويل عبارته: لن يكلف بناء آلة تتمتع بلياقة الدماغ البشري سوى 1000 دولار نحو العام 2023، اما نحو العام 2049، وبالمبلغ نفسه، سيمكن الحصول على آلة تتمتع بلياقة كل ادمغة البشرية مجتمعة! بعد ذلك بعشر سنوات، لن تزيد كلفة هذه الالة عن 100 دولار. بتنبأ علماء آخرون مشهورون، مثل هانس مورافك، من مختبر الروبوتات المتحركة في كرنجي ـ ملون (بنسلفانيا)، وشون ايشي كوباياشي من معهد دماغ ريكن، واكو/ اليابان، وهوغو دو غاريس، الباحث البريطاني ـ الاسترالي، باختراع وشيك لكيانات ذات ذكاء يفوق ذكاء البشر. الا ان تاريخ ابحاث الذكاء الصنعي القصير اتسم بكثير من الوعود التي لم تتحقق. في العام 1965، كان هربرت صموئيل، احد رواد هذا الميدان، قد اكد ان الآلات ستكون قادرة في العام 1985 على انجاز اية مهمة يمكن ان يقوم بها الانسان، تلك هي ايضا الوعود التي نسمعها اليوم لتحقيق احلام قادمة. هل يمكن الوثوق بمثل هذه التوقعات فعلا؟ تنطلق المحاكمة العقلية التي يرتكز اليها، راموند كورزويل لتبرير تنبؤاته من بعض العلائق الرياضية المفترض انها تربط قدرة الالات الحسابية والمعارض الضرورية من اجل بنائها والكلف المستقرأة، ويستنتج من ذلك ان السرعة الحسابية المتاحة بالنسبة لمبلغ 1000 دولار تتقدم آسيا بسرعة عبر الزمن، ولما لاحظ ان تطور هذه العلاقة بين قدرة الالات وكلفتها ابان القرن العشرين كله سار وفق تطور مشابه لنموذجه، سحب هذا المنحنى على كامل القرن الحادي والعشرين. في الواقع، بين الآلات الميكانيكية لبداية القرن الماضي، وآلات الحبابات في اربعينياته، ودارات السيليكون الحديثة، تقدمت القدرة الحسابية للالات بشكل منتظم ابان القرن العشرين، اما قانون «مور»، الذي اشار بدقة منذ عام 1958 الى ان اداءات المعلوماتية ستتضاعف مرة كل ثمانية عشر شهرا، فانه سيبقى صحيحا على الارجح لمدة خمس عشرة سنة اخرى ايضا، ولكن، حال الوصول الى تخوم تقانة السيليكون، فانه سيتوجب علينا ابتكار حاسوب جديد. ولكن، سواء ارتكز هذا الاخير الى مباديء كمية، ام بصرية، ام بيولوجية فلا شيء يتيح لنا التأكيد بان اداءات الآلات الحاسبة المستقبلية ستندرج في خانة الاتصالية مع الحاسوب السيليكوني القديم. ليس لان التقدم قد كان منتظما في السابق سيكون كذلك في المستقبل. ان اطالة المنحنى حتى العام 2100 امر لاينطوي على الجدية. وبالاخص، لايكفي ان تتوفر ذاكرة وسرعة معالجة من نفس مرتبة ذاكرة الدماغ وسرعته حتى يصبح الحاسوب ذكيا بشكل تلقائي، ويتميز بالانفعالات، ويكون موهوبا بالوعي، على حد عبارة رجا شاتيلا مدير البحوث في مختبر تحليل وهندسة المنظومات طولون / فرنسا. مع 10 تعليمة في الثانية يشكل الـ 100 مليون حاسوب المربوطة بالانترنت والمباعة عام 2000 قدرة حسابية تمكن مقارنتها بقدرة دماغنا الحسابية، غير ان اي وعي لم ينبثق من هذه الكومة من الدارات المطبوعة الموزعة على الكرة الارضية .. ايا كانت سرعته، الحاسوب بلا برامج يبقى علبة فارغة. هل يمكن توقع التاريخ الذي ستوجد فيه برامج تتيح للآلات التمتع بلياقات فكرية شبيهة بتلك الموجودة عند الانسان؟ الاشياء التي يمكننا الحديث عنها بدقة هي تلك التي تتعلق بوظائف خاصة جدا ومعروفة جيدا، في العام 1981، توقع الباحث الامريكي هانس برلينر ان يكون الحاسوب قادرا على بلوغ مستوى ابطال الشطرنج قبل نهاية القرن. كانت قواعد تفكيره سليمة، اذ ان النموذج المعلوماتي للعبة الشطرنج كان موجودا بالفعل. وتحققت فرضيته. ولكن، تبين ان النبؤات لم تكن في مكانها تماما حين الحديث كان موجودا بالفعل، وتحققت فرضيته. ولكن تبين ان النبؤات لم تكن في مكانها تماما حين الحديث عن وظائف مبهمة كالذكاء والوعي والمشاعر، وفقا لعبارة «مالك غلاب»، مدير اعمال الروبوتية في المختبر المذكور اعلاه. مشاعر مصطنعة في الواقع، يتخوف العلماء من تعريف المفاهيم بدقة.. هل يجب اعتبار الروبوت «كيسمت موهوباً بالمشاعر؟ انه يعطي هذا الانطباع، لكنه ليس سعيداً لمجرد انه يبتسم: ليست ابتسامته سوى حركة شقتين مسبقة البرمجة. وليست عناصر ذكاء، وانفعالاته ووعيه صنعية وحسب، بل هي سطحية بشكل خاص. يضيف شاتيلا: «ستكون هناك على الارجح ضرورة لاحداث تغيرات نماذجية في تصميم البرامج. لاتزال مشكلات التعلم والمحاكمة العقلية وتصور المعارف مفتوحة على نطاق واسع. عدا ذلك، ذكاء بلا فعل ولا ادراك هو مفهوم ضيق كثيراً، وتلزم قفزات تقانية في ميدان الملتقطات والمواد والمحركات والطاقة حتى تتحقق الآلة. ولكن من الصعب جدا التنبؤ بهذه التجديدات في غضون فترة تتجاوز ثلاث الى خمس سنوات، ومن المخاطرة التنبؤ بها للسنوات العشر المقبلة، أما في غضون خمسين سنة، فيغدو الأمر على «عالم الخيال العلمي». ويصح ذلك أكثر خصوصا وان ابحاث الذكاء الصنعي قد سلكت منذ نحو خمسين سنة سبيلا جديدا يبدو كل تكهن مستحيلاً: السبيل التطوري. مفهوم الذكاء في هذه المقاربة يقتصر على قابليات تكيف المنظومات المغروسة في بيئتها. حيوان صنعي لم تعد الآلة روبوتا، بل «حيوانا صنعياً» (أنيمات) صممت بنيته عشوائيا كي يتاح له ايجاد وصلاته الخاصة به. والحيوانات الصنعية الأكثر فعالية هي التي تنتقي. لا تهتم المقاربة التطورية بالانسان. وبدلا من محاولة تقليد سلوك المنظومة الأكثر تعقيدا المعروفة في الكون، الدماغ البشري، يحاولون بالاحرى تقليد أكثر الحيوانات بدائية، ثم العمل على تعقيد هذه الحيوانات الصنعية بالتدريج ليجعلوا منها آلات متنامية التطور، على حد عبارة جان، أركادي ـ ميير مدير مختبر «انيماتلاب» الباريسي المتخصص في هذا الميدان البحثي. عندما يترك الربوتيون الآلة تبحث عن سبيلها الخاص، يقبلون بالتالي ان تفاجئهم بالحلول التي تجدها. يضيف الباحث الفرنسي قائلا: «فمثلا، لا يحاولون جعلها تقلد انفعالات الانسان مثلما يفعل «كيسمت»، بل يجعلون الحيوان الصنعي يبدي مظاهر تؤدي نفس وظائف الانفعالات الحيوانية. لن تكون الانفعالات التي سيطورها هذا الحيوان آنذاك هي نفس انفعالاتنا دون شك. وبترك الأمور للصدفة تفعل فعلها، يمكن ان تحول الآلة احدى بناها نحو وظيفة غير متوقعة أصلا. الروبوت الذكي المتولد من هذه الابحاث لن يشبه ديفيد البتة على الأرجح. ويبقى من المستحيل معرفة متى سيبنى. محمد الدنيا