ان ترى العالم في ذرة رمل هو ما صاح به مدهوشا الشاعر الشهير: وليم بليك وهو يتأمل في الطبيعة واسرارها قبل 200 عام مضت، هذه الصورة العجيبة تحولت على يد بعض الباحثين المختصين بالتكنولوجيا في امريكا الى «حقيقة» لكنها «حقيقة» تخفي في طياتها الكثير من الشر، بل قل الشر الذي لا نهاية له. هكذا، فان العلماء في كاليفورنيا/ بيركيلي يطورون حاليا جهاز تجسس ومراقبة ذكيا لا يتجاوز حجمه ذرة رمل، وهو مصمم كما اعلن اخيرا، للتجسس على اعداء الولايات المتحدة، ويسمى بـ «الذرة الذكية» حيث تقوم الطائرات الصغيرة المطيرة بواسطة التحكم عن بعد بذر سحب من الذرات الذكية خلف خطوط العدو، والذرة التي يعامل كل جزيء فيها مع الالكترونات المتناهية الصغر، سوف تستخدم، بعدئذ، تكنولوجيا الليزر لتنقل، بقوة اعظم، المعلومة الحيوية حول حركة الحشود العسكرية والدبابات وصولا الى الآمرين في ساحة المعركة. لكن من المقلق حقا ان «الذرة الذكية» يمكن ان تستخدم، لتتجسس على المواطنين ولتتطفل على حياة الناس الشخصية ولتسيطر على المحتجين. وقد سلم كريس بيستر: الرئيس المتحمس لفريق التطوير في «بيركيلي» بحقيقة ان لهذه التكنولوجيا جانبا مظلما مع ذلك فهو واثق انها ستجلب الكثير من الفوائد التي تفوق الضرر. ان «الذرة الذكية» هي المنتوج المنطقي للحجم المتناقص للمعدات الالكترونية، هذا الحجم المتناقص بصورة مستمرة، فمن الممكن الان ان تستخدم الطاقة المعالجة في كمبيوتر آي بي ام المنضدي الذي انتج قبل 15 عاما مضت في ماكنة بحجم الشخاطة. لقد صمم الباحثون في «بيركيلي» النموذج الاصلي لجهاز تحسس بالغ الصغر بحجم البازلا، وهو عبارة عن رقيقتين من السليكون يبلغ سمكهما اقل من خمسة مليمترات فوق مندمج لمستقبل بصري وجهاز ارسال بالاضافة الى مفتاح تحكم رقمي بسيط ولاحظوا ان الاشارات التي يرسلها يمكن ان تلتقط بعيدا بوضوح عبر مسافة تمتد لاكثر من عشرين كيلومترا عن خليج سان فرانسيسكو. ثم اعلن الباحثون انفسهم انهم قد انجزوا جهاز تجسس فعالا يحتوي على دقيقة سيليكون التي بدورها تحتوي على مستقبل يعمل بطاقة منخفضة ومفتاح تحكم محول وجهاز ارسال هذا الجهاز يتم قيادته بوساطة نظام بالغ الصغر لخلايا شمسية وهم يتوقعون انهم سيتمكنون في المستقبل القريب جدا من جعل الذرة هذه اكثر ذكاء من خلال الصاق جناحين بالغي الصغر بها لتمكينها من التحشد لمطاردة هدف مشترك تماما مثل تحشد النحل. كل ذلك يمكن الذرة من التجسس على التحركات العسكرية في ارض المعركة وصولا الى هدف الباحثين الاخير الا وهو اكتشاف خطوط المواصلات ايضا ومساعدة القوات الاستخبارية في اقتفاء اثر الاسلحة الكيمياوية والبيولوجية والنووية. يؤكد كريس بيستر ذلك ويضيف انه في عام 2010 فان انظمة المعدات الالكترونية متناهية الصغر ستجعل من الممكن شراء مذياع بعشرة سنتات وشراء مشعاع ليزري بثلاثة الوان بدولار واحد وشراء اجهزة تجسس يمكنها ان تصرخ حين يحاول احدهم سرقة الاشياء الثمينة من منزلك. وهو، اي بيستر، يتنبأ بان الاجهزة التي هي بحجم حبة الرمل سوف تخبرك اذا ما توقف طفلك الصغير عن التنفس حين يكون مريضا بخاصة، او اذا ما توقف جهاز التدفئة عن العمل، وسوف تقودك خلال الازدحام المروري الى مكان الوقوف المناسب. بحلول عام 2020 فان اجهزة التحسس متناهية الصغر المثبتة حول جسمك سوف تحذرك حين تكون على وشك الانهيار بسبب الاصابة بنوبة قلبية او بالسرطان او بالانفلونزا، هذه الاجهزة التي تعمل بالطاقة الشمسية ستكون طويلة العمر جدا ومتمتعة باكتفاء ذاتي. وينبذ هذا الباحث المخاوف من ان تتسبب هذه الاجهزة في تلويث البيئة. لكن ريتشارد سكلوف المحاضر في معهد لوكا الذي يبحث في التأثير الاجتماعي لهذه التكنولوجيا الجديدة قلق كثيرا من تأثيراتها على الحريات المدينة، حيث يقول: هذه التكنولوجيا ذات مراقبة شاملة، انا لا اشك انه سيكون هناك الكثير من التطبيقات المدهشة لها. ولكن من السهولة تخيل ما يحدث: فوكالة المخابرات الامريكية تحب ان تضع يدها على هذه التكنولوجيا، وليس هناك من طريقة للسيطرة على ماستفعله بها». اما كليف نوريس المحاضر الاقدم في علم الاجرام بجامعة هول فيقول: هذه التكنولوجيا ليست سيئة في ذاتها، ولكنها سيئة في الطريقة التي ستستخدم فيها. في حين ان كريس بيستر قلق بشأن شيوع مسألة المراقبة، لان المراقبة لن تكون، بفضل هذه التكنولوجيا، من قبل الدولة ومؤسساتها الامنية والمخابراتية فقط، بل من خلال الافراد العاديين الذين سيكون بمقدورهم مراقبة بعضهم بعضا بسهولة بالغة. هاهو يقول: انا قلق الى حد كبير حول الكيفية التي ستتكيف بها المجتمعات لفكرة انه يمكن لأي كان ان يضع جهاز تجسس على اي فرد آخر. وبقليل من الجهد يستطيع ان يراقب كل حركاته ويسجل كل محادثاته. وربما يستطيع بوساطة الفيديو ان يسجل كل ممارساته. وهذا بالطبع سيحول هذه التكنولوجيا الى كابوس. اديب كمال الدين