يقول المستكشف القطبي ارنست شاكلتون بأن القارة القطبية الجنوبية لم تكن فقط أعلى وأجف وأبرد قارة في العالم، بل المكان الذي يثير في نفس الانسان أفضل ما لديه من خيال. على الرغم من هذا التعب اليومي فإن لدي مباديء، فهناك بعيدا في القطب الجنوبي الأبيض استطيع ان أفتح ذراعي لكل تلك الرومانسية في المكان وهي الرومانسية التي تلازمني الآن أينما ذهبت. هذا ما كتبه المستكشف البريطاني لصديقه في بريطانيا عام 1917. ومازالت القارة هذه، ذلك المكان القادر على اثارة الخيال والمشاعر، ففي عالم آخذ بالصغر والتجانس الشكلي فيما بينه، لاتزال الاكتشافات الجيولوجية والعلمية عموماً تجري على مستوى أضخم. وعلى سبيل المثال في عام 1996 اكتشف قمر صناعي وجود بحيرة ضخمة ظل وجودها متشبها به منذ أواسط السبعينيات، وهي مدفونة تحت سماكة ميلين من الجليد قرب فوستوك وهو موقع روسي قديم فوق هذه الهضبة القطبية. مثل هذا الاكتشاف لهذا المستودع المائي الضخم لم يتحقق في مكان آخر منذ عام 1858 حين وقف جون سبيك على ضفاف بحيرة فكتوريا في افريقيا وهي المنبع الرئيسي لمياه نهر النيل، كما ان نيازك سقطت على القارة من الفضاء قد تحمل الكثير من الحلول لأسئلة لاتزال عالقة بخصوص الفضاء. لم تبق هناك أماكن مثل القارة القطبية، حيث قارة من البراري التي تعد العلماء بمشاهدات فريدة من نوعها عن طبائع الأرض من براكين تثور بين جبال الجليد وأنهار جليدية وطبقات جليدية غير مستقرة تنزلق بين الحين والآخر نحو البحر. هناك تهب رياح الكاتاباتيك على الهضبة القطبية بسرعة 180 ميلاً/ساعة. وفيما قد يكون مركز القارة منطقة شبه عقيمة من الحياة حيث تهبط الحرارة الى أقل من 60 درجة تحت الصفر، فإن حوافها والمياه المحيطة بها هي من بين أغلى بقاع العالم بالتنوع الحيوي. وللقارة القطبية الجنوبية أثر كبير في طقس النصف الجنوبي من الكرة الارضية كما تشكل التيارات البحرية في كل العالم، وتعتبر ايضا أول جرس انذار عن استخدامات البشرية وسوء استخدامها لموارد هذا الكوكب. ورغم كل بعدها ووحشتها وهيبتها الغريبة، فإن القارة القطبية الجنوبية أصبحت اليوم مقصداً يمكن الوصول اليه كما لم يكن من السابق، حيث تصلها 250 رحلة طيران في كل صيف حاملة معها عمال بناء ومئات الاطنان من مواد البناء لتنفيذ المجمع عالي التقنية بتكلفة 153 مليون دولار الذي يبنيه البرنامج الأمريكي القطبي الجنوبي هناك. كما تشترك ايطاليا وفرنسا معاً في انفاق 25 مليون دولار لاقامة محطة أبحاث دولية في مكان يدعى القبة سي، وهو جزء أعلى وأبرد وأبعد من الهضبة القطبية. وفي كل عام تحمل أساطيل من السفن السياحية أكثر من 12 ألف سائح سنويا، وهذا الرقم آخذ بالارتفاع المستمر. وتعتبر ماكموردو القيادة المحلية لمؤسسة العلوم الوطنية الامريكية التي تدير البرنامج الامريكي القطبي الجنوبي بتكلفة سنوية تبلغ 200 مليون دولار. وأصبحت ماكموردو بلدة فعلية حيث تشكل أكبر مستعمرة على القارة القطبية الجنوبية ويصل عدد سكانها صيفا الى 1100 نسمة تقريباً، وفيها مطار وأجهزة صراف آلي للبنوك واشارات مرورية للحد من السرعة وباص يعمل باستمرار بينها وبين قاعدة سكوت النيوزيلندية على بعد ميلين. لا أحد يمتلك القارة القطبية، فقد اتفق على ان تتحول هذه القارة الخامسة من حيث المساحة في العالم الى احتياطي طبيعي مخصص للعلوم منذ توقيع معاهدة القارة القطبية الجنوبية عام 1959. وتم تحديد الحماية الى البحار والمحيطات عام 1982. ويمثل الموقعون على المعاهدة وهم 45 دولة حوالي 65% من سكان العالم. يقول كريس مارتين من مركز سميثونيان هارفارد لفيزياء الشهب: «هذه هي سويسرا العلوم، فالعلماء والجامعات ممن لا يعرفون غير المنافسة في كل انحاء العالم الأخرى يصبحون مساهمين وشركاء وزملاء هنا». وهذا التعاون لا يشجع العلوم فحسب، بل انه يحفظ موارد القارة الطبيعية الضخمة. ويعرف الجيولوجيون الآن ان هناك مناجم فحم حجري بين جبال القارة. ويشتبهون بأن النفط يوجد في أحواض ساحلية. وعثر العلماء ايضا على آثار من الذهب والنحاس والبلاتين في شتى أنحاء القارة. لكن في مؤتمر عام 1991 وافقت الدول على حظر كل محاولات التعدين حتى عام 2048 على الأقل