لا شك ان جملة المتغيرات المادية السريعة التي انتابت العالم اليوم، قد أثرت على الفكر والثقافة الانسانيين بشكل خطير، واثارت في الوقت نفسه جملة من الاسئلة الحائرة في نفوس المثقفين حول هذا التطور الكاسح، فتباينت المواقف وارتفعت وتيرة الصخب، مما يدل ان الفكر الناظم للصيرورة الانسانية لم يتمكن بعد من اعطاء اجابات شافية عن جملة الاسئلة المطروحة، وربما هو يحتاج الى وقت اضافي لكي يستعيد زمام المبادرة الخلاقة لايقاف هذا «القطار الجامح المنزوع الفرامل» المتجه نحو جهة مجهولة. في هذا الوقت العصيب، حيث تكثر الاسئلة حول مصائر المشروع الثقافي العربي في ظل المتغيرات الجديدة، ستكثر الاجابات المجتهدة ايضا، الاجابات التي قد ترتكز على مشروع تنويري ينبثق من ارضية الواقع الموضوعي، وخصوصا واقعنا الذي لم يستكمل قيم الحداثة، وبات مطالبا الآن ان ينساها ويستعد لارتداء ثياب ما بعد الحداثة، التي قد تكون غير مناسبة للكثيرين، وخصوصا اولئك الذين اعتادوا نمطا محددا من الحياة. ومن هنا ستبدأ المشكلة، ولكننا شأننا دائما في اسلوب التعاطي مع القضايا الكبيرة، لن نتحاور بالهدوء المطلوب منا في هكذا وقت عصيب، وانما سننصب المدافع ونقيم المتاريس، ونطلق كل ما لدينا من قذائف لكي نسكت الآخر نهائيا، كما يفعل علي حرب في هذا الكتاب، او اولئك الذين يخوّنون كل من دعا الى الاستفادة من معطيات النظام الجديد، وبدلا من الاتحاد فيما بيننا والقبول بالتنوع، سوف يتعالى الصوت الواحد.. صوت القوة المزدهي والمنتصر والمنتشي، واذا تساءلنا عن أسباب كل ذلك، وعن الخاسر الوحيد في هذه المعركة: ستأتينا الاجابة سريعا: المشروع الثقافي العربي! علي حرب في هذا الكتاب سوف يلخص لنا مسيرة معاناة الفكر العربي، وفي الوقت نفسه مسيرة أوهامه، وهو الى ذلك سيمارس نقدا جارحا للتيارات والاتجاهات السياسية والفكرية العربية التي مثلت الثقافة العربية في السنوات الخمسين الماضية، وخصوصا بعدما تكشف للجميع نتائج التحديث العربي والاخفاق المريع الذي اصيبت به مشروعاته لأسباب كثيرة ومعروفة. وتوصيفه للمشكلة هنا قد لا يضيف جديدا، ولكن نقده سيتجه بشكل حاسم الى العقلية التي انتجت هذه المشروعات وحاولت تطبيقها على الشعوب المغلوبة على أمرها، وله الحق، بل كل الحق في أن يصرخ محتجا على سائر الممارسات الغبية التي اجترحت، والاوهام التي كان المثقفون حتى الامس القريب يتباهون بها، كالوحدة والعدالة والامة القادرة على المواجهة وغير ذلك من الشعارات التي ادت عكس ما كان مطلوبا منها، ولكن قبل الصراخ والشجار ينبغي ان نعترف بكل صراحة اننا نحن ايضا من اسهم في انتاج هذه الثقافة، وان ذلك الزمان لم يكن يحتمل افكارا جديدة كتلك التي تطرح الآن. واذا كان علينا هنا ان نلخص محتوى افكار علي حرب حول مستقبل ثقافتنا، فاننا سنلتمسه يرثي حال هذه الثقافة، وسيقول بالفم الملآن ان تاريخ مشروعنا الحضاري انما هو «تاريخ من الاخفاقات والازمات منذ تجربة محمد علي وانتهاء بمشاريع المعاصرين»، ووجه هذه الازمة اننا ما زلنا عالة على الغير، على الغرب بشكل خاص في الادوات والتقنيات في السلع والبضائع في العلوم والمعارف والافكار و الفلسفات، ثقافة تولد العجز اكثر مما تصنع المعجزة، ولذا نحن ندافع عن هوية ثقافية لا يحسدنا عليها العالم، فمن جهة الاختام الاصولية التي تنزه وتقدس وتعظم السلف وتعظم ما قرروه من تعاليم وقواعد، وقد يكون الاصل معتقدا دينيا كما في السلفية الاسلامية، وقد يكون ادلجة حديثة كما في الفلسفة الماركسية، ومن جهة ثانية فان هذه الاصوليات تتعامل مع الفرد بوصفه ذا هوية مسبقة ومتعالية، او مكتملة ونهائية. ومن جهة ثالثة تلك النرجسية الثقافية التي باتت اشبه بمرض معد ينتقل من مكان لاخر دون ضابط او رقيب، او حتى خجل، فنحن اصحاب الانجازات، ونحن من يمتلك الحلول كافة، والوصفات جاهزة دائما لدينا، وعلى حد تعبيره: اذا تباهى الغربيون بنظامهم الديمقراطي، حملتنا لعبة التحدي على اختزال الديمقراطية الى شورى قبلية مع ما بين الاثنين من الفارق في الفضاء والمفهوم والآليات، والى ذلك فانه في الحقيقة سيسوق أمثلة كثيرة عما نشهده كل يوم من مباهاة لا تستند الى أي اساس موضوع، ولابد ان القارئ سيشعر بالحزن لكل هذه النرجسية المتجسدة في عقلية المكابرة التي جعلتنا نموه على واقعنا، لتحول هذه العقلية بيننا وبين منجزات الآخرين، وشأن هذه العقلية في ذلك شأن التفكير الطوباوي الذي يمارسه المثقفون عادة.. والذي يمكن تحديده بما يأتي: المثقفون المتشائمون «الذين يواجهون ما يحدث اليوم من التحولات والانعطافات بنعي الانسانية او الثقافة والحضارة». والمثقفون الذين يخشون على نخبويتهم من منافسة الصورة، المثقفون الحداثيون الذين اتخذوا الغرب مرجعا للقراءة والتفسير، ونموذجا للعمل والتدبير، فيدعون الى «احداث ثورات فكرية وسياسية تنويرية او نقدية، وفي اذهانهم اشباح لوثر وفولتير او صور ديكارت وكانت، وفضلا عن الماركسيين الذين يبشروننا بأطياف ماركس العائدة، كمن يذهب الى الحج والناس راجعين منه». وهؤلاء على حد تعبيره يحاكمون الاوضاع العربية الراهنة من خلال عصر الأنوار أو الثورة الفرنسية أو المجتمع الصناعي من مثل اركون والعروي وطه عبدالرحمن وحسن حنفي وعبدالرحمن منيف ومحمد عابد الجابري وسمير امين وغيرهم. أما مقترحاته لتجاوز كل ذلك، تتلخص في امكانية اعادة ترتيب علاقة الفكر بالواقع وذلك «بالعمل على تفكيك منظومة قيمه وآلته المنطقية، بابتكار لغة مفهومية جديدة تشكل أداة تحليل وتشخيص بقدر ما تكون أداة خلق وتحويل» واذا حاولنا بدورنا تفكيك هذا الكلام الغامض لفهمه على الأقل، وسنأخذ هنا مثالاً طازجاً كضرب افغانستان بشكل بربري من قبل قوة عظمى، وتشريد ما لا يقل عن 7.5 ملايين وتهديد دول اخرى، فان هذا الكلام الغامض سيفسر لنا ان هذه الحرب ليست «انتهاكا لانسانية الانسان، أي ليست خروجا عن الفطرة والسوية، بقدر ما هي من أبجدية الاجتماع البشري، فهذا العالم الذي صنعناه الآن. وهذه أفعالنا وآثارنا تشهد علينا». والمعنى هنا واضح ألا وهو تساوي الجلاد والضحية في القضية، لأنهما لم يتخلصا من البربرية. أما أولئك «السذّج» الذين «يطالبون بأنسنة العالم، أو يخشون على انسانية الانسان من عصر العولمة والحاسوب، فهؤلاء يداوون العلة بالداء نفسه» بمعنى ان العلة لا تكمن في العولمة وتجاراتها وأسواقها وسيطرة مجتمعات معينة على العالم، إنما تكمن في «ارادة التألّه» في «التكبر والتعالي» في «وهم الحرية» في شعار الانسانية ذاته، إذ ان كل هذه الاعتقادات هي التي تسبب الكوارث، بمعنى انه لو لم يرفض سبارتاكوس واقع عبوديته لما اضطهد وأريقت الدماء، وهكذا ايضا يمكن القياس على ثورة الزنج، ومظاهرات شيكاغو وحروب كوسوفو والشيشان، وعلى حد تعبيره «لقد استنفد الشعار الانسانوي مصداقيته. ومن هنا فإن تزايد الانتهاكات للحقوق والحريات، لا يعطي الحجة لحماة الانسانية ودُعاة الانسنة، بل يشهد على نهاية الانسان المفرط في انسانيته، الذي يحتكر النطق باسم الانسانية، أو الذي يدّعي بأنه أكثر انسانية من سواه». يبقى أخيرا ان نتوقف عند موقفه من العولمة، وتبنيه لمسألة نهاية التاريخ التي بشّرنا بها «عمّنا» فوكوياما ولقيت ردّات فعل كثيرة من قبل المثقفين العرب وغير العرب، شأنها في ذلك شأن العولمة التي لم يفهمها أحد، أو لم يقدر أحد على فهمها بسبب انشغالاته الشعائرية وطقوسه الايديولوجية، وسيوضح علي حرب هنا ان العولمة تبدو زاحفة كاسحة، في الوقت الذي تبدو فيه الهويات الثقافية محشورة في زواياها الضيقة أو في دوائرها الخانقة، وهذه الهويات الثقافية ليست الثقافة العربية فحسب، وإنما الأصل الذي تنتمي اليه، ثقافة الحداثة والتنوير، حيث بات واضحا الآن بحسب استنتاجاته ان ثورة الاتصالات الرقمية قد غيّرت علاقة الانسان بالزمان: إنه زمن لحظي آني نسف نظم الحياة السابقة والقيم والمفاهيم، وكتب نهاية العقل الخلاصي والفردوسي والتقدمي على السواء. ولن يجرؤ علي حرب هنا من تقديم البدائل الثقافية لهذا الزمن الجديد، على الاقل لكي يتضامن قارئه معه، حيث ان الشبكات الرقمية والتجارة الالكترونية وغير ذلك من تقنيات ليست بدائل، وانما هي وسائل لعرض الثقافة الجديدة او الثقافة البديل التي تتلخص في نشر ثقافة جماهيرية مبتذلة بدعوى محاربة النخبوية، واهمال القيم الانسانية العظيمة في المحبة والاخاء والتعاون، تلك القيم التي كانت تؤلم ضمائر البعض، وتشعر البرابرة بالعار جراء ما تم افتراقه من جرائم بحق الانسانية! وسينسى علي حرب في معرض هجومه على دريدا وتشومسكي ويورديو وغيرهم ان المعرفة او النظام المعرفي في عمومه هو نتاج حضاري انساني صاغته البشرية عبر تجارب ومعاناة تمتد الى ثلاثة الاف عام برغم الديناصورات الجاثمة في اعماق اعماق الذاكرة الجمعية، تلك الديناصورات التي ما تفتأ ان تخرج كل حين لتعصف بالبشرية حروبا وكوارث ومجاعات، وها هي الآن تعود لتجتث ما تبقى من النزوع الانساني عبر سبيلين اثنين: الحرب والابادة للشعوب التي لم تعجبها الثياب الجديدة، او استبدال القيم بما نشهده الآن على الفضائيات من افلام الجريمة والجاسوسية والمخدرات والجنس والعنف الفظيع والعدالة على الطريقة الامريكية. بلا شك، العالم اليوم تحول الى قرية عالمية كبيرة، ولكنه غدا اكثر وحشية، والمثقفون الذين حافظوا على الشعلة متقدمة منذ سومر والفراعنة واليونان، سيجدون السبل الأكيدة بتقييد الديناصور المنطلق، وتكبيله من جديد لكي تكون هذه القرية العالمية اكثر انسانية. عزت عمر