فجأة دخل طالب في الثامنة عشرة من عمره يدعى روبرت سميث أحد محلات تجميل النساء في مدينة ميسا بولاية أريزونا الامريكية وأجبر خمس نساء وطفلتين على الاستلقاء بجوار الحائط وأطلق النار على رؤسهن من الخلف، لم يكن سميث من المراهقين المشاغبين وكانت علاقته بأبويه علاقة سوية وكان مصنفا من الطلاب الممتازين في الدراسة وبعد القبض عليه قال لرجال الشرطة: أريد أن أصبح مشهورا وأن اكتسب لنفسي اسما معروفا للجميع!! النوع السابق من القتل يطلق عليه القتل المجاني بينما يصفه عالم النفس الشهير كولن ولسن في كتابه التاريخ الاجرامي للجنس البشري.. سيكولوجية العنف والذي صدر عن دار حور بالقاهرة بترجمة للدكتور رفعت السيد علي - بأنه القتل بلا دافع. حاول المؤلف في هذا الكتاب بما توافر لديه من مصادر أن يثبت أن العنف البشري والاجرام له قواعد وأسس قد تبدو خافية الا انها موجودة كما ان هناك علاقة بين تطور ذكاء الجنس البشري والجريمة وهو الامر الذي جعله يؤكد أن: الدافع الاجرامي ليس شذوذا أو جنوحا لفعل الشر أكثر من الخير بقدر ماهو مركب طفولي يدفع الى الاستسهال والاختصار. و كل جريمة تنطوي على طبيعة تتسم بالتدمير والانتزاع واغتصاب شئ والاستيلاء عليه بغير استحقاق بالقوة وهي نزعة للحصول على أي شئ مقابل لا شيء. القتل المجاني يبدو كما قلنا بلا دافع.. فليست هناك رغبة للسرقة مثلا أو الانتقام العاطفي وهو ما حير الفلاسفة والمفكرين ورجال الشرطة حينما وقعت جرائم عدة مماثلة منذ بداية عام 1959. أشهر هذه الجرائم - كما يوردها ولسون - بطلها رجل يدعى نورمان فوز الذي أوقف سيارته الجيب في مدينة كوبا وتناول بندقية الصيد وصوبها باحكام وأطلق النار مرتين وقتل غلامين، وعند محاكمته دافع عن نفسه مؤكدا أنه كان يحاول المعاونة في الحد من مشكلة تزايد السكان!! وفي فبراير عام 1959 قبلت امرأة شقراء جميلة تدعى يني جوركولاند عرضا من رجل متزوج من كاليفورنيا ان يقوم بتوصيلها بسيارته وبدون أي سبب أو ازعاج من جانب الرجل أخرجت مسدسا كان معها وأطلقت عليه اثنتي عشرة رصاصة داخل السيارة وبعد القبض عليها صرحت بأنها كانت تريد أن تعرف ان كان بإمكانها ان تقتل أحدا دون ان تشعر بتأنيب ضمير!! عام 1960 أطلق رجل يدعى نورمان سميث الرصاص على امرأة كانت تجلس داخل منزلها تشاهد التليفزيون من نافذة المنزل المفتوحة لم يكن يعرفها.. فقط أحس برغبة قوية تعتريه أن يفعل ذلك بعد أن شاهد برنامجا في التليفزيون اسمه القناص. هل يبدو هذا دافعا مقبولا لارتكاب جريمة؟! أيا كانت الاجابة فهذه الدوافع تختلف عن الدوافع الاخرى المتعارف عليها كالرغبة في الحصول على المال، المتعة الجنسية، الانتقام العاطفي انما دافع يقترن برغبة في الظهور فهؤلاء الاشخاص ربما شعروا بأن جريمتهم ثم اعترافاتهم الغريبة كافيين ليحصل كل منهم على نوع من الشهرة وتحقيق الذات، وبجوار الشهرة هناك أيضا فكرة الاحتجاج على أمر ما كالاحتجاج على اهدار الكرامة البشرية أو كما يوضح المؤلف بأن المجرم يشعر بأن المجتمع هو المدان لأنه لا يوفر له الكرامة الانسانية والعدالة والاعتراف به كفرد له تميزه كما يملأه يقين بأن جريمته لم تكن الا احتجاجا مشروعا!! وهو الأمر الذي تأكد مع مثال ذكره المؤلف حيث عثر عام 1970 على د. فيكتور أوتا وعائلته مقتولين في منزلهم بولاية كاليفورنيا وبجوارهم رسالة تحتوي على هذه العبارات: اليوم تبدأ الحرب العالمية الثالثة تشنها عليكم شعوب الوجود الحر.. سأقاتل أنا ورفاقي من اليوم وحتى الموت في سبيل الحرية ضد أولئك الذين لا يدعمون الحياة الطبيعية للبشر على ظهر هذا الكوكب لابد أن تموت المادية والا انتهى الانسان!! الملاحظة التي يحاول المؤلف أن يوضحها هنا أن البشرية اتجهت الى هذا النوع من الجريمة بسبب النمو العقلي الفائق الذي أصابها ولهذا لم تعد الجريمة مرتبطة بحاجات الانسان الإنسانية مثل: الاحتياجات الفسيولوجية الاحساس بالأمان، الرغبة في الانتماء لآخرين. في الفصل الثاني من الكتاب «الإنسان العنيف» يستعين المؤلف بعدد ضخم من المراجع ليثبت ان الإنسان يختلف عن الحيوان في حقيقة واحدة وهي انه كائن و هو الكائن الوحيد من الثدييات العليا الذي يقبل ويعذب أفرادا آخرين من بني جنسه وبلا سبب وأعطى مثالا لهذا العنف البشري الغريب بالجيش الياباني الذي استولى على مدينة نانكنج بوسط الصين عام 1937، الجيش الياباني ارتكب أفراده ماوصف بأنه ابشع المجازر الجماعية في العصر الحديث حيث بدأ حملة قتل واغتصاب وتعذيب استمرت لمدة شهرين قاموا بجمع كل ماطالته أيديهم وأبادوهم في جماعات بالرشاشات ثم كوموا الجثث والتي قدرت بعشرين ألف جثة في أكوام وسكبوا عليها النفط وأشعلوا فيها النيران!! المدهش - كما ذكر المؤلف - أن الصور التي فضحت هذه المجزرة فيما بعد - قام بالتقاطها عدد من الجنود اليابانيين اعتقادا منهم أن تلك الأفعال مجرد انتقام بسيط من الصينيين ولهذا ليس من الغريب ان يتساءل المؤلف في نهاية هذا الفصل: هل البشر حقيقة أكثر شرا من العقارب والنمور. أفرد المؤلف بعد ذلك فصلا للحديث عن تدمير الذات الذي يؤدي الى تدمير الاخر أغلب الظن ان المجرم في هذا التوقيت يميل الى اعتقاد ان الحياة سخيفة وان اغلب البشر اما في منتهى الغباء أو في منتهى الفساد وكلاهما لا يستحق الحياة. وفي النهاية يؤكد المؤلف على انه كلما تطور العقل البشري كلما أخذت الجريمة أشكالا جديدة من العنف والحدة والابتكار!! القاهرة ـ إسلام الشيخ