دماغنا الحساس والثمين، لابد ان يكون محميا، هذه المهمة تتولاها ثلاثة اغلفة، السحايا، الا ان هذه تتعرض لحوادث وامراض وخيمة، خصوصا التهاب السحايا النسيج العصبي، الدقيق والحساس، محفوظ في الجمجمة والعمود الفقري، لكنه ليس على تماس مباشر مع العظم، اذ تعزله عنه ثلاثة اغلفة حامية، اي السحايا، وهي : الام الجافية، والام العنكبوتية، والام الحنون، الام الحنون، الرقيقة جدا والشفافة، هي الاقرب الى الدماغ والنخاع الشوكي، تسير فيها شبكة من الاوعية الدموية التي تروي الجهاز العصبي اما غلاف الام العنكبوتية، فيغلف الجزء الباطن من الام الجافية، ويشكل هذان الاخيران مجموعة الاغشية المغلفة للجملة العصبية المركزية، اما الام الجافية، الغشاء الاكثر سطحية، فهو على العكس شديد المقاومة، ويغلف الدماغ بالكامل وكذلك النخاع الشوكي. التهاب السحايا التهابات السحايا هي اصابة التهابية تتعرض لها السحايا. الاغشية التي تغلف الدماغ. بين الأم الحنون، التي تغلفه مباشرة، والأم العنكبوتية التي تغلف باطن الأم الجافية، يسيل السائل المخي النخاعي، الذي يصبح حينئذ التهابيا. ويتيح سحبه بالبزل وبامكان تشخيص التهاب السحايا. اذا كان معظم التهاب السحايا ذا طبيعة خمجية، اي ناجما في اغلب الاحيان عن اصابة جرثومية او فيروسية ونادرا طفيلية، فان بعضها ينم عن امراض اخرى، اما التهابية واما سرطانية. وقد تكون معزولة، اي لا تعتبر الا عن علة في السحايا، او احيانا مقترنة باصابة التهابية في نسيج الدماغ، وحينها نتحدث عن التهابات سحائية ـ دماغية. الاتهابات السحائية الجرثومية هي الاقسى: يقدر تواترها من 5 الى 10 بين كل 100000 شخص. والاطفال هم اول ضحاياها، لكن معدل الوفيات الاعلى هو بين الراشدين، والجراثيم المسببة هي على علاقة بالعمر الى حد كبير كما ان الالتهابات السحائية الفيروسية شائعة ايضا، وتسببها الفيروسات المعوية، وفيروسات النكاف والكريب والحصبة. على المستوى السريري، يتجلى التهاب السحايا اولا في المتلازمة السحائية، التي تقرن الحمى، واوجاع الرأس، وقيوءات. ويمكن ان يشتمل على علامات عصبية منتشرة او موضعية ضمن سياق حمي، واضطرابات في الوعي مع حمى ايضا. وهذه العلامات المختلفة تتطلب بزلا قطنيا عاجلا، فهو وحده الذي يؤكد التشخيص. الاطفال الصغار كانت عبارة « التهاب السحايا» وسواس الاطباء والاهالي منذ زمن بعيد، خصوصا بالنسبة للاطفال بعد سن الرضيع. من المؤكد ان الوضع تغير كثيرا مع مجيء المضادات الحيوية، الفعالة بنسبة 100% من الحالات تقريبا، ومن بعدها اللقاحات، التي فضت على تواترات التهابات السحايا القاسية. ولكن للخوف من هذه الامراض ما يبرره حتى اليوي. من الواضح في الواقع ان الالتهابات السحائية الجرثومية تشكل حاليا السبب الاول لوفيات امراض الاطفال الخمجية، رغم كل هذه التطورات. لماذا لا تزال تطورات المرض مميتة حتى الآن؟ هنالك تفسيران، اولا التأخر في التشخيص: يغدو انجع مضاد حيوي في العالم ضعيف الفعالية اذا كان المرض قد تطور منذ بضعة ايام، وكذلك وجود الاشكال الخاطفة الصريح (الفرفرية الخاطفة = نزف تلقائي نقطي داخل الانسجة يظهر على شكل نقاط حمراء)، الذي يمكن ان يكون تطوره قاتلا خلال بضع ساعات، وبالنسبة لفرفرية الخاطفة، فقد اظهرت دراسات عديدة ان حقن المريض بالمضادات الحيوية منذ الدقائق الاولى للتشخيص يمكن ان يقلل من معدل الوفيات بنسبة 50%. وفيما يتعلق بتأخر علاج التهاب السحايا الجرثومية التقليدية، فانه يبدو من المرغوب فيه القيام بحملات توعية عامة: حث الاهالي على الاستشارة السريعة حالما يشكو الطفل من آلام الرأس، والقيوءات، وبالاخص التضايق من الضوء، وايضا عندما يكتشف الابوان ان رقبة الطفل متيبسة وانه ينام متجمعا. المشهد السريري بالنسبة للرضيع خادع اكثر بكثير، اذ يمكن ان يتجلى فقط في رفض الرضاعة، والاسهال، وبعض القيوءات، ورخاوة عامة، وانتفاخ اليافوخ احيانا، وغالبا ما لا يتحمل الرضيع اللمس، ويعاني من فرط الاحساس بالهياج والنواح الزائد خلال الحمام وارتداء الثياب.