«السينما الفلسطينية في القرن العشرين» كتاب صدر هذا العام عن وزارة الثقافة السورية ـ المؤسسة العامة للسينما وهو من تأليف الباحث بشار ابراهيم وهو يرصد أهم الافلام السينمائية التي انتجتها جهات فلسطينية سواء داخل الارض المحتلة او خارجها، ويرصد الكتاب بشيء من التفصيل أهم الصفات التي يتسم بها الفيلم الفلسطيني سواء من حيث المضمون او الشكل ليتفاعل بذلك مع تطورات القضية الفلسطينية على مدى قرن كامل من الزمن. وتكمن أهمية الكتاب بأنه يعد الاول من نوعه الذي يوثق للسينما الفلسطينية كاحد القطاعات التي تساند نضال الشعب الفلسطيني. في البداية يورد الكتاب الكثير من التعريفات التي تحدد مفهوم السينما ويركز ـ بصورة خاصة ـ على المفهوم الاوسع الذي يغير كل من يعمل في هذا القطاع سينمائيا وذلك يعكس التعريف الحديث الذي يجعل من الامر مقتصرا على المخرج او الفئات. وفي الفصل الاول يتحدث الكتاب عن الجهود التي بذلت على صعيد السينما الفلسطينية قبل وقوع نكبة العام 1948 ويشير بصورة خاصة الى أول فيلم قصير جرى انتاجه عام 1935 وذلك من قبل ابراهيم حسن سرحان الذي رصد زيارة الملك سعود بن عبدالعزيز لفلسطين وتنقله بين القدس ويافا. كما يستعرض الكتاب هنا العديد من الاسماء الفلسطينية التي برزت في عالم السينما ومنها محمد صالح الكيالي الذي كان قد سافر الى ايطاليا لدراسة الاخراج والفن السينمائي ويلفت الى ان سلطات الانتداب البريطاني سعت في وقت مبكر الى منع انتاج الافلام التي تتحدث عن الموضوع الفلسطيني مباشرة. وفي الفصل الثاني يستعرض الكتاب الوضع الذي آلت اليه السينما الفلسطينية بعد وقوع النكبة واحتلال ارض فلسطين من قبل الغزاة الصهاينة ويركز خاصة على النشاط السينمائي الفلسطيني في الشتات وكيف استطاعت ان تعكس صور الثورات الشعبية التي شهدتها فلسطين آنذاك ومن ثم تتعرض السينما الفلسطينية الى نوع من الجمود الشامل بسبب الاحداث الدامية التي وقعت في الاردن عامي 1970 و1971 الى أن ظهر الفيلم الوثائقي «بالروح بالدم» وهو من اخراج مصطفى ابو علي ومن ثم تواترت الافلام الفلسطينية التي اصبحت مواكبة للاحداث وتطوراتها حيث جرى استخدام الفيلم البنجلي كوثيقة مهمة للحفاظ على ابرز الاحداث والوقائع التي شهدتها فلسطين منذ العام 1948 وحتى مطلع القرن ومن ثم ظهرت المؤسسة العامة للسينما الفلسطينية كجزء من الاعلام الفلسطيني الموحد حيث استطاعت تقديم سلسلة من الافلام المهمة ويعد فيلم «كفر شوبا» وهو سينمائي مدته 30 دقيقة من أبرز افلام هذه المرحلة التي رصدت بدقة متناهية تطور الثورة الفلسطينية وكفاح الشعب الفلسطيني من اجل الحرية والاستقلال وجاء بعد ذلك فيلم «فلسطين في العين» ليرصد ويحلل هزيمة 5 يونيو 1967 وما أسفرت عنه من نتائج خطيرة على العرب كافة. كما يتوقف الكتاب عند المخرج الفلسطيني ـ قيس الزبيدي ـ الذي انتج في فترة السبعينيات سلسلة من الافلام المهمة وحاز الكثير منها على جوائز عربية وعالمية حيث حصل فيلم «واجب الحرية» على ذهبية مهرجان دمشق السينمائي عام 1989. كما يشير الكتاب الى اهتمام المخرج السوري محمد ملص بانتاج الافلام التي تهتم بالقضية الفلسطينية مثل «أحلام المدينة» و«الليل» وقد حصلا على عدة جوائز وظلت السينما الفلسطينية حتى عام 1982 حتى تمكنت من انتاج الافلام الروائية الطويلة وكان ذلك بفيلم «عائد الى حيفا» مأخوذة عن رواية للكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني الشهيرة وفي فصل السينما الفلسطينية في الارض المحتلة يتحدث الكتاب عن بدايات تأسيس سينما فلسطينية جديدة وذلك على أيدي الفلسطينيين الذين بقوا في الارض المحتلة متمسكين بوطنهم ورافضين لسياسة التهجير الصهيونية. ويشير الكتاب الى أن المنطقة شهدت في هذه الفترة الكثير من الاحداث الخطيرة ومنها الاجتياح الاسرائيلي الاول لجنوب لبنان 1978 الى جانب التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد الامر الذي دفع بالسينمائيين الفلسطينيين الى التفاعل مع هذه الاحداث الكبيرة والجديدة. وينفرد السينمائي الفلسطيني ميشيل خليفي وهو من بلدة الناصرة في انتاج سلسلة من الافلام المهمة لصالح عدد من الشركات والتلفزيونات الغربية وقد استمرت السينما الفلسطينية في الداخل خلال هذه المرحلة وتم انتاج الافلام التي تؤكد اصرار الشعب الفلسطيني على العودة وتحرير ارضه المحتلة حيث ذهب المخرج ـ ميشيل خليفي ـ الى تقديم السرد القصصي الذي قدم صورة مشوقة جدا عن كل مراحل تطور القضية الفلسطينية وبدقة متناهية. وفي فصل «السينما الفلسطينية في التسعينيات» يتحدث الكتاب عن مرحلة ازدهار الفيلم الفلسطيني والتأسيس لبداية او انطلاقة جديدة حيث برز عدد من المخرجين الجدد الذين درسوا الفن السينمائي في اوروبا وامريكا وكان الاخير هو فيلم «العودة» عام 1995 والذي تحدث عن المعارك التي اندلعت بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال الصهيوني والمستوطنين ومع اندلاع انتفاضة الاقصى اواخر العام 2000 تبادر المخرجة الشابة عزة الحسن الى انتاج فيلم «زمن الاخيار» وهو وثائقي مدته 50 دقيقة حيث يرصد الفيلم مجموعة من القضايا والأخبار التي تلوكها وسائل الاعلام باسلوب ساخر وناقد. ويورد الكتاب اسماء عشرات المخرجين والافلام الفلسطينية التي ظهرت في هذه المرحلة ومن ذلك يوميات فلسطينية المنتج عام 1991 والذي يصفه النقاد بأنه فريد من نوعه وهو من انتاج مؤسسة القدس للانتاج السينمائي ثم ظهرت موجة جديدة من الافلام مثل فيلم «خربة خزعة» وهو من اخراج رام ليفي عام 1978 ليكون أول محاولة نقدية لرؤية الصراع العربي ـ الاسرائيلي وهنا تبرز عملية قلب الادوار في هذه الافلام حيث يؤدى ممثلون فلسطينيون ادوارا اسرائيلية وممثلون اسرائيليون ادواراً فلسطينية ويلاحظ الكتاب ان الافلام التي تحدثت عن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة لاتزال دون المستوى المطلوب ربما سبب التمويل. ويعد فيلم «قرة عيني» وهو من اخراج مريم شاهين مميزا على هذا الصعيد وهو عرض في عدة مناسبات وطنية وقومية. في الفصل ما قبل الاخير يحاول الفيلم ان يحدد ابرز السمات التي تتحلى بها السينما الفلسطينية في الوقت الحاضر وكيف تحولت الى فصل ثقافي مساهم الى ابعد الحدود في تشكيل الوعي الفلسطيني وتطوير النضال الوطني ضد قوات الاحتلال وهو يحيرالى ذلك التفاعل الذي تم بين الانتفاضة وبين السينمائيين الفلسطينيين الذين سارعوا الى التفاعل معها ونقل صورة واضحة عنها عبر الكاميرا الى العالم الخارجي الامر الذي كان له ابلغ الاثر في توسيع دائرة التعاطف والتأييد الدولي مع نضال الشعب الفلسطيني وهكذا فقد تم الانتقال من مرحلة انتاج الافلام التي تصور المخيمات الفلسطينية في الخارج وحياة الشتات التي يعيشها الفلسطينيون الى مرحلة التفاعل مع الثورة والانتفاضة وتأكيد ديناميكية الشعب الفلسطيني وارادته. فقد اكتشف السينمائيون الفلسطينيون أهمية الصورة في شرح القضية الفلسطينية العادلة امام الرأي العام العالمي الامر الذي دفعهم الى التركيز على هذا الجانب وتقديم سلسلة من الافلام العالمية للانتفاضة ولما افرزته من تداعيات على كل المستويات. وفي الفصل الاخير يستخلص الكتاب مجموعة من السمات التي تميز السينما الفلسطينية ومن ابرزها ملاحقة الاحداث العسكرية والسياسية ومتغيراتها وتطوراتها ولعب دور المحرض ضد قوات الاحتلال لكنها ظلت سينما مغامرة ولم تستطع ان تكون مفردات خاصة لها كما انصب الاهتمام على ابراز الكثير من الصور العاطفية والوجدانية تجاه القضية الفلسطينية والصورة الفاجعة مثل الخيام واللاجئين والمعاناة والبؤس والموت كما نشأ جيل جديد من السينمائيين ساعد على بلورة اعمال فلسطينية مهمة ومميزة على الصعيد العالمي. واللافت هو ابتعاد السينما الفلسطينية عن لغة الخطابة والصراخ والمواعظ والشعارات السياسية الامر الذي زاد من أهمية هذه السينما. دمشق ـ «بيان الكتب»