مثل امواج عاتية في محيط متحجر، تمتد الكثبان الرملية بطول مئات بل ألوف من الامتار عبر هضبة آلاشان التي تشكل الحدود الشمالية للصين. وتحتل هذه الهضبة التي لا تخلو من البحيرات الربيعية المالحة، ركنا من صحراء جوبي الشاسعة حيث تتميز عنها ببعض الالوان التي ترقش سطحها. ومثل هذه الصحارى التي تجاهلها العلماء سابقا بدأت تساعدهم الآن في فهم، بل وتأهيل الاراضي التي اصابها الجدب، نتيجة لافعال الانسان واستغلاله المغرض للترب الفقيرة ذات موارد المياه الضعيفة. صحراء جوبي ليست الصحراء الاكبر في العالم، فتلك هي الصحراء الكبرى ولا اكثرها جفافاً فتلك هو صحراء اتاكاما، ولا اكثرها تنوعاً حيوياً، فتلك هي صحراء ناميبيا، بل هي ابعد صحراء في العالم عن خط الاستواء باتجاه الشمال، كما انها اقل اقاليم الارض كثافة بشرية بعد القطبين. ولايزيد معدل الهطول السنوي للامطار عن 3 بوصات في صحراء جوبي، التي تبلغ مساحتها 500 الف ميل مربع، والتي تشكل المنطقة الفاصلة بين الصين ومنغوليا، بل ان اسم جوبي وباللغة المنغولية يعني «الارض الخاوية من الماء» وفي قلب هذه الصحراء القاحلة توجد هضبة آلاشان، التي يمكن الوصول اليها من الصين مع انها نادراً ما تظهر اثناء سرد التاريخ الصيني، وحتى اليوم لاتزال آلاشان معزولة، وشبه محرمة على الزوار الغرباء عنها باعتبارها موقعا لاجراء تجارب اطلاق الصواريخ الصينية العسكرية. واليوم تستمر صحراء جوبي بالتوسع، ويشكل هذا لسكان الصين البالغ تعداده حوالي 13 مليار نسمة مشكلة عميقة جدا، ولهذا بدأ العلماء بارتياد آلاشان بفضل مساعي الاكاديمية الصينية للعلوم ومعهد بحوث الصحراء ليتعلموا منها سبب استيلاء هذه الصحراء على آلاف من فدانات الارض الزراعية سنويا. في هضبة آلاشان يمكن للمرء ان يعثر على اضخم الكثبان الرملية بل هي في الحقيقة جبال من الرمل، يمكن ان يتجاوز ارتفاع العديد منها 1200 قدم، كما ان العديد منها تفصل بينها وديان قد تحتوي بحيرات تغذيها الينابيع، وهذه المنطقة التي تبلغ مساحتها 17 الف ميل مربع من الكثبان العملاقة تعتبر فريدة من نوعها في العالم، وحتى اليوم لم تتجرأ سوى حملة علمية واحدة غير صينية من ابنائها طبعا على عبورها كلها وكان ذلك عام 1995 حينما عبرتها حملة قادها العالمان الجيولوجيان الالمانيان ديتر جاكل ويورجن هوفمان. وطبعاً لا غنى لمن يريد ان يمشي في هذه الصحراء عن الجمال، وتكثر في المنطقة الجمال ذات السنمين، كما لابد ايضا من دليل يقود السائرين، وهؤلاء يكونون عادة من ابناء القبائل المغولية في المنطقة. تتميز رمال هذه الصحراء بأنها خشنة وموحدة الحجم الى حد كبير وهذا ما يسمح بوجود فراغات بين حبات الرمل وهذه الفراغات تمثل فسحة لاختزان قطرات الماء وهو ما يسمح بنمو الاعشاب. ومع مرور الوقت تعمل جذور هذه الاعشاب على تثبيت رمال الكثبان في مكانها، وبالتالي تثبيت الكثبان نفسها في الوقت نفسه الذي تهب فيه رمال جديدة وتتكون كثبان اخرى فوق الكثبان القديمة الضخمة، ثم تعود الكثبان الجديدة لتستقر في مكانها بفعل النباتات تحتها وجذور الاعشاب الجديدة التي تنمو فوقها. وهذه العملية لاتزال تدور في حلقة متواصلة منذ ملايين السنين، ويقول البروفيسور دونج جيباو من معهد بحوث الصحراء الصيني انه في مركز كل كثيب عملاق يمكن العثور على كثيبات يعود عمرها لما بين 4 و40 مليون عام، لكن مهما كان قدم الجوف، فإن الطبقة الخارجية لهذه الكثبان قد لا يزيد عمرها على عام واحد فقط، وهي عملية معقدة جدا، طبقة فوق اخرى وتشكلها يتطلب المزيج الفريد المتوفر في هذه الصحراء، بين الرمل ذي الطبيعة الخاصة وقطرات المطر. في قلب هذه اللجة، يحاول صرح اثري مسكين ان يتطاول فوق بحر الرمال التي نجحت في تغطية جزء كبير منه، انه حصن مدينة كارا كاتو التاريخية الذي ترتفع اسواره 30 قدماً، وداخل لاتزال حاضرة ابنية مملكة كان لها دورها في صنع التاريخ، وربما كان كاراكاتو الذي يعني بالمنغولية «المدينة السوداء» اصدق تعبير عن حالها. الصينيون يقولون ان الاشباح تسكن الحصن، ومن يعرف قصته والسبب يزول عنه العجب. ففي عام 1372 كان الملك المنغولي كاراباتو ورعاياه وجنده يتمترسون خلف اسوار الحصن الذي كان جنكيز خان وقبائله قد استولوا عليه عام 1226. لكن الزمن دار وتراجع النفوذ المنغولي في كل آسيا، وهكذا وجد كارا باتور نفسه محبوساً في حصنه الذي تحاصره جيوش امبراطورية منج الصينية الصاعدة والتي جعلت الصحراء المحيطة بالحصن اخبث اسلحتها ضد المدافعين. فقد حول المهاجمون ممر مجرى النهر الاسود الذي يغذي المدينة بالماء ثم قعدوا ينتظرون، ومع ازدياد حدة العطش ادرك كاراباتور ان مصيره اصبح محتوماً ولا داعي لمزيد من المعاناة فما كان منه إلا ان استل سيفه وفي لوثة يأس قتل كل عائلته قبل ان يوجه السيف لجسده هو آخر الامر. وحينما بدأ المهاجمون بدخول المدينة بعد انهيار المقاومة اكملوا هم هذه المذبحة فقتلوا البشر وذبحوا حتى الماشية، ولم ينج احد فيما ظلت الجثث مرمية تحت شمس الصحراء، كانت المذبحة فظيعة بشكل جعل الصينيين حتى اليوم يقولون ان الاشباح والشياطين هي الساكن الوحيد للمدينة السوداء.