قبل 12000 عام من الآن قام نفر من البشر الأوائل في ما صار يعرف بعد ذلك بفلسطين بدفن جثة رجل وجرو صغير على يده في القبر ذاته. ولا يعرف الآن ما اذا كان ذلك الحيوان كلباً أم ذئباً. وعلى أي حال، فإن دفن الجثتين معاً على هذا النحو الذي يوحي بعلاقة حميمية بينهما يعتبر من أقدم الدلائل الاحفورية على تأهيل أو ترويض الكلب على نحو يخلق نوعا من التعايش الحميمي بينه وبين الانسان. يعرف العلماء ان هذه العملية كانت قيد الانجاز قبل 14000 عام، لكنهم لم يتفقوا حول سببها، فالبعض يجادل بأن البشر تبنوا جراء الذئاب وان آلية الاصطفاء الطبيعي كانت لصالح أنواع الذئاب الأقل عدوانية والأفضل في استجداء الطعام. ويرى آخرون ان الكلاب روضت نفسها بالتأقلم مع بيئة جديدة ظهرت عند بدء البشر في القاء نفايات طعامهم بعد اكتشافهم انها غير ملائمة للأكل. وهكذا فإن أنواع فصيلة الكلبيات (التي تضم الكلاب والثعالب والذئاب وبنات آوى) التي كانت أقل ميلا للفرار من البشر، استطاعت ان تحافظ على بقائها في هذه البيئة، وأصبحت الأجيال الناجحة أليفة بشكل متزايد. ويقول عالم الأحياء ريموند كوبينجر: «لقد كان الاصطفاء الطبيعي في صالح الأنواع التي امتلكت خاصية محددة، وهي القدرة على تناول الطعام على مقربة من البشر.وعلى المستوى الجزيئي لم تتطرأ تغيرات كبيرة على الاطلاق، فقد أظهرت الدراسات التي قامت بها عدة فرق علمية في انحاء مختلفة من العالم ان هناك تماثلاً كبيراً جداً يقترب من التطابق بين تركيبة الحمض النووي «دي.ان.ايه» في كل من الكلاب والذئاب.وليس هناك نوع آخر يظهر كل هذا القدر من التنوع الذي يظهره الكلب، ذلك الحيوان الذي يتميز بامكانات تطورية مذهلة فيما يتعلق بتغيير شكله. على حد قول كوبينجر.ومع ذلك فإن جميع سلالات الكلاب تشترك بخصائص محددة فيما بينها، نابعة من أصلها المشترك. وفيما كانت الكلبيات القديمة تتأقلم مع المستوطنات البشرية، فإنها طورت ميولاً أليفة ووديعة وحشدا من الصفات ذات الصلة الوراثية بما في ذلك قابليتها للتدريب، وهز الذيل وتعدد ألوان جلودها. ولأنها لم تعد بحاجة لصيد فرائس كبيرة، طورت الكلاب جماجم بأنياب أصغر من تلك التي يمتلكها الذئب بالنسبة للحجم الاجمالي لكل منها كما ان تحول الكلاب من نظام غذائي قائم على اللحوم الى نظام قائم على مخلفات البشر، جعلها تطور أدمغة أصغر للاقتصاد في استهلاك السعرات الحرارية والبروتين. وكان المنتج النهائي حيوانا يمكن تسميته بالكلب المهجن، وهو شبيه بالكلاب متوسطة الحجم ذهبية اللون في احيان كثيرة، والتي تجوب أطراف المدن والبلدات في انحاء العالم التماسا للطعام. وانطلاقا من هذه البداية ربما تكن سلالات الكلاب الأولى قد نشأت بالحد الأدنى من التدخل البشري، لأن البشر كانوا يختارون ويربون الكلاب لما تمتلكه من قدرات مفيدة كالحراسة والصيد. وقد لعبت البيئة ايضا دورا في صياغة شكل السلالات الأولى. ففي المناخات الباردة على سبيل المثال، تكون فرصة البقاء والتناسل أكبر للكلاب الأضخم حجما والاكثف فرواً، وبمرور القرون بدأ البشر بتهجين الحيوانات للحصول على مواليد تمتلك أكبر قدر ممكن من السمات المرغوبة، الأمر الذي أثرى تنوع الكلاب في الشكل والخصائص. ولاحظ العلماء في دراسة الهياكل العظمية بعناية فائقة كيف تم التلاعب بشكل الهيكل العظمي للذئب دون فقدان ولا حتى عظمة واحدة، في مسيرة التطور الى الشكل الكلبي.يعزو العلماء جزءا كبيرا من التبدلات الوراثية التي طرأت على الكلب الى وجود جينات تؤثر على توقيت تطوره في مرحلة الجنين ومرحلة الجرو. وخلافا للحال عند القطط، فإن رؤوس الجراء ليست فقط أصغر بل تمتلك تناسبات حجمية مختلفة عن رؤوس الكلاب تامة النمو.وعلى سبيل المثال فإن جمجمة كلب «البلاج» بفكه السفلي البارز الى الأمام هي نتيجة نمو الانف الذي يبدأ متأخرا ويتقدم ببطء. أي ان بقية اجزاء الجمجمة تتشكل بما يتناسب مع الأنف القصير فإن كلب البرزي (كلب روسي يستخدم لمطاردة الذئاب) له مقدمة طويلة نحيلة، لأن أنفه يبدأ بالنمو مبكرا في الرحم. وجاء تأسيس أندية تربية الكلاب في منتصف القرن التاسع عشر ليسرّع عملية الاصطفاء الصناعي بتحفيز نشوء سلالات جديدة. ومعظم السلالات التي انبثقت منذ عام 1955 تم اختيارها على أساس الشكل فقط. لقد نشأ الكلب وتطور برفقة البشر، ولا يستطيع الوجود بدونهم. وحتى الغالبية العظمى من الكلاب التي يمكن وصفها بالبرية كونها تجوب أطراف القرى بحثا عن الطعام، فهي تعتمد ايضا على قربها من البشر. وقد أصبحت هذه العلاقة حميمية جدا لدرجة ان الكلاب أصبحت تعتبر في احيان كثيرة مخلوقات مستقلة، حيث يقول عالم الاحياء جيمس سيربل ان «الكلف الأليف المنزلي طور لنفسه مكانة فريدة تقع بين عالم الحيوان وعالم البشر، وهو ليس بشرا وليس وحشا». وكان القدماء يرون ان في الكلاب مخلوقات استثنائية تنتقل بحرية بين عالم الاحياء وعالم الأموات، واليوم تستخدم هذه الحيوانات في كثير من التجارب العلمية والطبية التي قد تكون خطرة على حياة البشر. علي محمد