جوزيف كونراد روائي انجليزي، بولندي الأصل والمولد، ولد في مدينة «برديجيف» البولندية والتي باتت اليوم ضمن الأراضي الأوكرانية.كان والده أحد النبلاء البولنديين ومنه تعلم حب الأدب. واتهم والداه بالتآمر ضد الروس ولذلك نفيا مع طفلهما جوزيف وهو لما يتجاوز الرابعة من عمره إلى مقاطعة «فولوغدا» في أقصى الشمال البارد.توفى والداه وهو في الثانية عشرة من عمره نتيجة لما عانياه في المنفى فكفله خاله ثاديوس بوبروسكي وأصبح وصيه ومعلمه في آن واحد. استقر جوزيف في بريطانيا نهائيا منذ سنة 1894 وأتقن اللغة الانجليزية والتي أصبحت اللغة الرابعة التي يحسن الكتابة فيها بعد الروسية والبولندية والفرنسية، ثم تزوج سنة 1895 من جيسي جورج ونشر أولى رواياته «حماقة ألماير» ثم رواية «منبوذ» سنة 1896. كما نشر سنة 1900 رواية «لورد جيم» التي عبر فيها عن مفهوم الشرف الشخصي لضابط شاب خلال تحطم سفينته في الشرق، ونشر رواية «نوسترومو» سنة 1904 التي اعتبرها النقاد تحفته الادبية. ورواية «العميل السري» تتحدث عن رجل فوضوي يدعى فيرلوك نافرمن بذل أي جهد زائد عن اللازم، ويعتبره البعض زعيما مستغلا لمشاعر الشعب وكسولا بصفته خطيبا أو رئيسا للعمال.مضى عليه أحد عشر عاما في خدمة إحدى السفارات يقبض رواتبه من صندوق الخدمة السرية حيث حاولوا مؤخرا إفهامه انها ليست مؤسسة خيرية. تتألف أسرة فيرلوك الصغيرة التي عليه اعالتها من زوجته ويني فيرلوك الشابة الممتلئة الصدر الضيقة الملابس العريضة الوركين والانيقة الشعر دائما، وأم زوجته السمراء البدينة المصابة بعسر في التنفس وتعتمر شعرا مستعارا أسود اللون تعلوه قبعة بيضاء، ومنتفخة الساقين والخاملة بسببهما.أما أخو زوجته ستيفي فهو فتى رقيق ووسيم باستثناء تدلي شفته السفلى، ولكنه فاشل يعمل مراسلا مولعا بمطاردة الكلاب والقطط الضالة في الأزقة. تلك هي أهم مواصفات الأسرة التي غادرها فيرلوك إلى لندن لينصت إلى رؤسائه في العمل وفي مقدمتهم القنصل «ورمت» القصير النظر والعضو الخاص بالمجلس وقد وبّخه ورمت بعنف على تقاريره الأخيرة التي اعتبرها غير نافعة ثم خاطبه قائلا : «نحن غير راضين عن موقف الشرطة هنا».ثم أضاف : «نريد إثارة يقظة الشرطة وصرامة القضاة، إذ أن لين الاجراءات القضائية هنا والغياب التام للتدابير القمعية يشكلان عارا على أوروبا.وما نتمناه الآن هو توضيح وابراز الاضطرابات والقلق الموجودين بلا شك». ثم سُمح له بمقابلة فلاديمير السكرتير الأول في السفارة الذائع الصيت بأنه رجل مسلٍ ولطيف ومحبوب في المجتمع، وكان دهاؤه يكمن في ايجاد ترابط مضحك بين الأفكار المتناقضة، والذي حمل بدوره على أداء فيرلوك ووصفه بأنه بليد وفوضوي بائس.وما ذاك إلا لأنه خيب آمالهم في الوقت الذي يعتقدون أنه يمكنه شرعيا أن يصبح مارشالا في فرنسا وعضو برلمان في انجلترا ليكون ذا فائدة للسفارة.ثم خاطبه قائلا :«لا تبدو ذكيا أبدا».وذكره بأن علاقته بالسفارة كانت قد بدأت بعد سرقته لتصاميم المدفع الفرنسي. كانت تلك التوبيخات التي سمعها فيرلوك من «ورمت» ثم من «فلاديمير» كافية لتجعل منه رجلا مذعورا ومنذهلا ومذلولا بعد أن فقد توازنه.وأدرك أن الأيام الطيبة التي عاشها في ظل البارون ستون وارتنهايم السفير السابق في السفارة قد ولت، تلك الأيام التي كان يرمز فيها إلى فيرلوك بالرمز «P» في المراسلات لشهرته وأهميته، عندما كانت إنذاراته وتقاريره قادرة على تغيير مخططات ومواعيد الرحلات الملكية.وعليه من الآن فصاعدا أن يفكر طويلا في العبارة التي قالوها له : «إن عليه أن يكسب نقوده بعرق جبينه». إلتقى فيرلوك رفاقه الفوضويين والمتسكعين في الدكان المقتطع من مسكنه والمتخذ غطاء لنشاطه حيث يعرض الصور الفاضحة لفتيات عاريات في واجهة الدكان الصغير المربع الشكل ذي الألواح الزجاجية إلى جانب بعض المنشورات الفرنسية الهزلية وبعض الصحف الغامضة رديئة الطباعة، التقى ميخائيلس المصلح والمتفائل الذي أمضى في السجن 15 سنة من عمره لم تكن تنتهي لولا تفاؤله فقد أُلقي عليه القبض لأنه كان يُعتقد أنه ثوري خطير وفي طريقه إلى السجن حاول مع آخرين الهرب بعد اشتباك مع الشرطة وجرح أحدهم، كارل الذي يسمي نفسه بالارهابي العجوز الاصلع الخالي الفم من الاسنان ذي اللحية الصغيرة البيضاء كالثلج، أوسيبون الكاتب الاساسي لكراسات جمعية مستقبل الطبقة العاملة التي يرمزون لها بحرفي «F.B» هذه المجموعة من الفوضويين المراقبين عن كثب والحاقدين على النظام الرأسمالي والممتطين تيار الثورية. فقد حدث انفجار في غرينتش بارك في الصباح أدى إلى مقتل رجل على الفور وقد تمزق إلى أشلاء وامتزجت الاطراف والملابس والعظام والحصى والشظايا كلها بعضها مع بعض، وكان لا بد أن يحوم الشك حول فيرلوك ورفاقه رغم أن الشرطة تعرف أين يبيت أحدهم في كل ليلة.ويبرز دور المفتش هيت الذي يؤمن بتهيئة الناس لكي يطلق النار علنا على فيرلوك ورفاقه كالكلاب المسعورة والذين باتوا على يقين من دنو الخطر منهم، ويسافر فيرلوك إلى أوروبا لمدة عشرة أيام . زار المفتش هيت فيرلوك في دكانه مساء ودار حوار بينهما سمعت جانبا منه زوجة فيرلوك التي داهمها القلق في الأيام الأخيرة المنذرة بقدوم شر ما خاصة بعد انفجار غرينتش بارك ! ونصح المفتش هيت في هذا اللقاء فيرلوك بمغادرة المدينة قائلا : «لن يصدقوك بقدر ما تظن». ولكن فيرلوك هدد بكشف الحقيقة ! عرفت ويني زوجة فيرلوك من ذلك الحوار الذي دار بين زوجها ثم من اعترافات زوجها أمامها فيما بعد أن الرجل الذي تمزقت أشلاؤه في الانفجار لم يكن سوى شقيقها وحبيبها ستيفي.استعرضت ويني إتجاه حياتها بغضب امرأة مخدوعة وخيبة أملها وذلك من خلال تخيّلات تتعلق في أغلبها بحياة ستيفي الصعبة منذ بدايتها المبكرة.أما فيرلوك فقد حاول جاهدا تبرير عمله لزوجته ويني من خلال اعترافاته فخاطبها قائلا : «لم تكن هناك مؤامرة للقتل خلال السنوات الإحدى عشرة الاخيرة إلا كان لي ضلع فيها على حساب المخاطرة بحياتي، لقد أرسلت الكثير من هؤلاء الثوريين وهم يحملون قنابلهم في جيوبهم ليلقى القبض عليهم على الحدود.لقد كان البارون السابق يعرف مدى أهميتي للبلد». ثم أضاف غاضبا : «سوف أعلمهم ما معنى محاولة طرد رجل مثلي ليتعفن في الشوارع، ليس هناك شيء على وجه الأرض يستطيع ايقافي الآن». ولكن ويني أوقفته عندما فجرت غضبها المكبوت بطعنة سكين مميتة إلى صدر زوجها فيرلوك المستلقي على السرير ثم هربت بالمال المدخر لتلتقي اوسيبون الذي خدعها بدوره بعد معرفته الحقيقة وأخذ أموالها وهرب فما كان منها إلا أن أقدمت على الانتحار. بمثل هذا الطراز الشديد الوضوح كان كونراد يكتب رواياته مستخدما تقنيات السرد بمهارات عالية وبترتيب زمني مصطف مع تنام للشخصيات بقوة واقناع.وقد كانت أيام كونراد الأخيرة صعبة، فزوجته أصبحت مقعدة، وأصيب هو بمرض داء المفاصل، وأصبح دخله من عمله ضئيلا.كل هذا وذاك جعل من كتاباته الأخيرة تحمل المسحة الانسانية التي تغلب عليها النظرة الموحشة، فغالبا ما كان الراوي في قصصه بحارا متقاعدا حتى كادت رواياته تتحول إلى ما يشبه السيرة الذاتية.وتوفى كونراد سنة 1924 في «بيشوبز بورن قرب كانتربري» قبل أن يبلغ الخمسين من عمره.